مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | النَّقد النَّصِّي وتبيُّن الشعريَّة /جريدة الأيام الإلكترونية
كان مارون عبُّود يقول: "إنَّ الجيِّد، في دواوين شعرنا، كحبَّات قمحٍ في عدلٍ من تبن"، ويدعو إلى أن ينهض النقد الأدبي بمهمَّاته فيتعرَّف إلى هذا الجيِّد، أي إلى حبَّات القمح تلك كي لا نأكل خبزاً من تبن.
إن تكن هذه حال الشِّعر في زمنٍ كانت لنا فيه بيادر يجيد أصحابها استخدام المذراة والغربال، فكيف بنا اليوم، وقد كثر "التبَّانون؟".
نحن، في هذه الأيَّام التي يكثر فيها "التبَّانون"، أحوج ما نكون إلى النقد الذي ينهض بأداء مهمَّاته، فالنقد السائد، في هذه الأيام، في معظمه، إما صحفي مجامل أو متحامل، أو يقول كلاماً عامَّاً يصدق على كل نص، وفي الحالات جميعها هو انطباعي، تأثيري أو جامعي يدور حول النَّص، ويقول كل شيء ما عدا القول عن النَّص وفيه...، أو خليط من هذا وذاك أكثر صعوبة من النَّص، يغلق صاحبه أبوابه المطرَّزة بأسماء أجنبية ورسوم تجريديَّة تبرق، فيرتد الناظرون عنها، وهم لا يدرون ما الحكاية.
هؤلاء النقَّاد يشبهون ذلك الشرطي الذي تحدَّث عنه جاكوبسون، عندما يقول: "إنَّ مؤرِّخي الأدب والنقَّاد، حين يستخدمون كل شيء كالحياة الشخصيَّة والنفسيَّة والسياسيَّة والفلسفة والإجتماع يشبهون ذلك الشرطي الذي يسعى إلى اعتقال شخصٍ ما، فيعتقل بالمصادفة كل من يلقاه في المنزل، كما يعتقل كل من يصادفهم في الشارع، وقد يكون ذلك الشخص، أو لا يكون، بينهم...، ما يعني أن مهمَّة النقد الأدبي، في الأساس، هي القبض على ذلك الشخص...". فمن هو ذلك الشخص؟
إنَّه، وبكلِّ بساطة ووضوح، "الشعرية" التي تميِّز النَّص الأدبي من النصوص الأخرى، بمختلف أنواعها.
نحن، اليوم، كما يقول النَّقد النصِّي، أحوج ما نكون إلى نقدٍ يعاين النَّصَّ نفسه معاينة عارف خبير، فيدرسه ويميِّزه، ويتبيَّن الشعرية فيه: خصائصه الأدبية، ويبلورها...، ما يفضي إلى تصنيف، وكشف ظواهر واتجاهات، ومن ثم إلى كتابة تاريخ أدب مبني على أساس نقدي، أي على أساس من المعرفة الصحيحة للنصوص الأدبيَّة نفسها.
هل أقول، في ضوء وعي هذه الحاجة: إنَّ كتابَي د.نبيل أيوب: "الطرائق إلى نصّ القارئ المختلف" و"النقد النَّصِّي: نظريات ومقاربات"(1) يسهمان في تلبية هذه الحاجة الماسَّة إسهاماً فعلياً وفعَّالاً؟ وإن كانت الإجابة بـ"نعم"، فكيف يتم ذلك؟
وبغية الإجابة عن هذين السؤالين ينبغي إجراء قراءة في هذين الكتابين، على مستويي التنظير والتطبيق.
أ ـ "الطَّرائق إلى نصّ القارئ المختلف"
والبحث عن سبل لاستكشاف غابة النَّص
" الطَّرائق إلى نصّ القارئ المختلف"، كما يقدِّمه مؤلِّفه د.نبيل أيوب، "كتابٌ/ كتب حصيلة ربع قرن من القراءات والمرانة والممارسة والكتابة والمسالك المختلفة نحو غابة النَّص"، بغية استكشافها.
يسعى المؤلِّف إلى تحقيق هدفه، مدفوعاً برغبة "سدّ نقص" أضنى ذاته، وتلمَّسه "ظمأً وجوعاً" لدى طلاَّبه إلى الثقافة النقديَّة. ولمَّا كان يدرك أنَّ هذه الثقافة هي تسرُّب الآخر في لحظاته العليا إلى الذَّات المتلقيَّة، اختار أن تكون قراءاته من قمم الثقافة الإنسانيَّة، وأدرك بالممارسة أنَّ رسم حدود الطَّرائق إلى النَّص يمثِّل نصف العمل، أمَّا النِّصف الآخر فهو القارئ نفسه، بوصفه النصَّ الأعمق والأوسع والأشمل، ولذا فعلى كلٍّ منَّا، كما يقول، بغية اكتمال العمل بنصفيه، أن يستزيد ما أمكنه من الثقافة الإنسانيَّة، وأن يسعى إلى "استكشاف" غابة النَّص، بوصفه قارئاً مختلفاً.
يتوقَّف المؤلِّف، في سعيه إلى "سدّ النَّقص"، وريِّ الظمأ وإشباع الجوع، في أربع محطَّات/ فصول رئيسة، أولاها "علامات المختلف"، وتتضمَّن مباحث هي: "من البنيوية إلى التفكيكيَّة" و"نصُّ القارئ الاختلافي" و"الشِّيفرات ودلالة المختلف" و"السرديَّة"، وثانيتها "الجدليَّة والنَّقد الأدبي ـ الاجتماعي"، وثالثتها "التحليل النفسي والنَّقد الأدبي"، ورابعتها "النَّقد الفلسفي الوجودي".
يرسم المؤلِّف حدود هذه الطَّرائق فيقدِّم معرفة مركَّزةً مكثَّفةً بها، تتمثَّل في خلاصات أصولها ورؤاها، ما يعني أنَّه يخاطب قارئاً مختصّاً ذا درايةٍ بها، والخطاب الموجَّه إليه إنَّما يكون على سبيل رسم حدود النَّظريات التي تكوِّن منظور المقاربات، والكتاب نظريات ومقاربات. ونكتفي في سبيل بيان ما نذهب إليه بتقديم المثالي الآتي:
يقول، في مبحث: "من البنيويَّة إلى التَّفكيكيَّة":
"والبنيوي هو من أتقن مصطلحات البنيويَّة واستخدمها، وهي" الدال والمدلول والمرجع، كليَّة النَّص أو الظاهرة..." الخ، ما يعني أنَّه يفترض في قارئه معرفة الألسنيَّة والبنيويَّة التي انبثقت منها لتطبِّق النظام اللغوي على الظواهر الأدبيَّة والاجتماعية والنَّفسية والفكريَّة(ص9). ويمضي، على المستوى نفسه من عرض الخلاصات المركَّزة مع سوسير وشتراوس وفوكو ولاكان ودريدا، ثم يقرِّر ما كشفته القراءة التفكيكيَّة للنّصوص الشعريَّة العربيَّة... ويصنع الصَّنيع نفسه، في مبحث "نصّ القارئ الإختلافي"، فيتحدَّث عن نظرية القارئ الضّمني ـ أيزر والأنموذجي ـ إيكو، والتفكيكي ـ دريدا، والإختلافي ـ دي مان، وصولاً إلى "نظرية القارئ"، فيقدِّم، كما يقول "مقترحات صالحة نسبيّاً للمقاربات النصِّية التي تجري في مراحل ثلاث: مراقبة النَّص، مقاربته، محاورته"(ص27). وينتهي إلى تقديم نماذج للمتتالية السرديَّة العليا (ص36ـ39) ولمتتالية الوصف العليا (ص39 ـ 43) وللمتتالية البرهانية (ص44...)...، ويقدِّم، في مبحث "الشيفرات ودلالات المختلف" قراءات لنماذج شعريَّة من محمد علي شمس الدين وجوزيف حرب وخليل حاوي.
ليس من شكٍّ في أهميَّة ما يسعى المؤلِّف إلى تحقيقه، وفي حاجة النقد الأدبي العربي إليه، وينبغي على أيِّ قارئ منصف أن يقدِّر بالغ التقدير الجهد المبذول في سبيل تحقيق هدف هذا السَّعي، وهو جهد مضنٍ فعلاً، أنجز تحصيلاً شاملاً وعميقاً ومركَّزاً يمكن للقارئ المختصّ أن يفيد منه، ويمكن للقارئ الذي تتاح له شروح في أثناء قراءته، مثل طالب الجامعة الذي يدرِّسه أستاذ مختصّ، أن يفيد منه أيضاً. وإن كنَّا قد اكتفينا بالإشارة إلى أنموذج منه فقط، فذلك بغية تخصيص الحيِّز المتاح للنقاش في بعض المسائل التي يثيرها هذا الكتاب.
يفيد استخدام المؤلِّف كلمة "الطَّرائق..." مَعْرفةً، في عنوان الكتاب، شمول جميع الطَّرائق المفضية إلى معرفة نصّ القارئ...، ما يثير سؤالاً عن موقع طرائق أخرى ودورها، ونذكر، على سبيل المثال، الشّكلانيَّة الرّوسيَّة التي تهدف إلى استكشاف ما هو أدبي على نحوٍ متميِّز في النّصوص، والموضوعيَّة، أو الموضوعاتيَّة (La Thématique) التي يمثِّلها خير تمثيل الناقد الفرنسي المعروف جان بيير ريشار الذي استفاد من إنجازات غاستون باشلار وجان بول سارتر وإدمون هوسرل، والتاريخية الجديدة التي بدأ روّادها ينقدون التفكيكيَّة ويتجاوزونها؟
وإن يكن الكتاب يُعنى بالطُّرق المفضية إلى نصّ القارئ المختلف، أي الذي "يرفض جميع الأشكال القرائيَّة التي يقع عليها في الكتب المدرسية وفي الصَّحافة"، كما نفهم من مقدَّمة الكتاب(ص5)، فإنَّ هذه الطُّرق التي ذكرناها مختلفة عن تلك الأشكال القرائيَّة المتداولة، ما يثير سؤالاً آخر هو: أليس من الأكثر تواضعاً أن نتحدَّث عن طرائق وليس عن الطَّرائق، وبخاصَّة إن رأينا إلى الموضوع من وجهة نظر مختلفة. تتمثَّل الإشكاليَّة، من وجهة النَّظر هذه، في البحث عن طرائق مختلفة عن هذه الطَّرائق اختلاف نصوصنا وقارئنا عن نصوصها وقارئها، وهذه هي الإشكاليَّة التي تحتاج إلى مواجهة، فإن كنَّا نتفق مع المؤلِّف في وجود النقص، وفي وعي الحاجة الملحَّة إلى سدِّه وتعويضه، وفي ضرورة السَّعي إلى ذلك، فإنَّنا قد نختلف وإيَّاه في سبل هذا السَّعي وفي مآله، فمعرفة طرائق مفضية إلى معرفة النَّص والإفادة من إنجازاتها، بوصفها ثقافة نقديَّة أمر، وتبنِّيها بوصفها "الطرائق" الخاصة بناء أمر آخر، إذ ينبغي أن تنبثق طرائقنا من واقعنا التاريخي لتنهض بأداء وظيفتها التاريخية من بنائه، كما انبثقت تلك الطرائق من واقعها التاريخي ونهض كل منها بأداء وظيفته من موقع كان التطوُّر التَّاريخي يفقده إيَّاه لصالح طريقة أخرى، فالبنيويَّة جاءت لتعوِّض قصور الماركسيَّة والوجوديَّة عن الوصول إلى "الأدبيَّة"، والتفكيكيَّة جاءت بعد أن تحوَّلت البنيويَّة إلى دراسة النِّظام في حدِّ ذاته ولذاته، وهي إنتاج عصر الشكِّ الذي استحالت معه المعرفة اليقينيَّة، وعُرفت، بعد محاضرة جاك دريدا عام 1966 في مؤتمر بجامعة "جونز هوبكنز"، والتي تعدّ الآن بيان ما يعرف بالتفكيك، وها هو التفكيك الآن بدأ يتلقَّى ضربات التأريخيَّة الجديدة.
وإن يكن الأمر على هذا النَّحو، أليس من الأجدى، وطالما أنَّه لا بدَّ لنا من معرفة ما ينجزه الآخر، أن نعرف هذه الطَّرائق في سياقها التاريخي بوصفها عناصر منتظمة في هذا السِّياق تتخذ فيه مواقع وتؤدِّي أدواراً، فنعرف نظام علاقاتها على المحورين التعاقبي والتزامني، فنفيد من هذه المعرفة في معرفة كيفيَّة انبثاق الطريقة من نحوٍ أوَّل وفي بلورة طرائقنا من نحوٍ ثانٍ، والمفترض أن تنبثق من واقعنا التاريخي الذي تدخل هذه المعرفة في تكوينه لا أن تكون هي البديل منه.
وتحضرني، في هذا السياق، حادثة ذات دلالة يرويها د.عبد العزيز حمودة في مجلة "أخبار الأدب" المصرية (العدد 256، ص12). فقد "التقى غالي شكري برولان بارت، وهو عملاق البنيويَّة والتفكيك معاً، في باريس. وحينما أخبره غالي شكري عن شعبيَّته في العالم العربي كناقد حداثي، تساءل بارت يومها: وبماذا يفيدكم النَّقد الحداثي؟".
السُّؤال هو: ماذا يفيدنا النَّقد الحداثي؟ والإجابة هي: يفيدنا في بلورة طرائقنا وتأصيلها، بوصفه عنصراً ثقافيّاً من العناصر المكوِّنة واقعنا التاريخي الذي تنبثق منه هذه الطرائق، أو المفترض أن تنبثق منه وليس بوصفه الطَّرائق نفسها. أي أنَّه، إن صحَّ فهمنا لما يقوله المؤلِّف في مقدمته، نصف العمل، والنِّصف الآخر هو القارئ المفروض، بعد أن يمتلك الثقافة النَّقدية ـ نصف العمل، أن ينجز قراءته هو.
نقول: "إنْ صحَّ فهمنا لما يقوله المؤلِّف" وذلك لأنَّ المؤلِّف، وإنْ كان يقدِّم اقتراحاً لقراءة ينجزها القارئ المختلف: مراقبة ومقاربة وحواراً... فإنَّه يخرج على اقتراحه في غير موضع. وبغية أن يكون النِّقاش ملموساً نقدِّم نماذج من خروجه هذا ووقوعه في شباك الطرائق".
يقول المؤلِّف: "والقراءة التفكيكيَّة للنّصوص الشعريَّة العربيَّة قد كشفت أنَّ الشعر قد صدر من الارتجال والشفاهة، وتمركز حول الصوت، ما جعله تصويتاً طربيّاً أحادية دلالته، نسخيَّة ذاته، معتقلاً مخياله بين العقل والنقل...". وبعد أن يقرِّر أنَّ الثقافة العربيَّة تخضع لنص مغلق، ينتهي إلى القول: "... من هنا فإنَّ قيم الشفاهة ما زالت فاعلة ومسقطة معظم شعر مرحلتنا في نمطية: العمودي والحداثي، من شعر شوقي إلى نزار قباني وسعيد عقل، ومن شعر السيَّاب إلى حاوي والبيَّاتي وأدونيس والفيتوري حتى آخر النابتين حديثاً... وعلى هذا، لم يتلقَّ الروح العربي من معظم شعرائه سوى المنسوخ والممسوخ من القصيدة ـ الأب، باستثناء القليل المختلف في العمودي والحداثي على السواء، وهذا القليل هو ما نتطلَّع إليه". ويقدِّم، لكي يتجنَّب الانزلاق إلى إثارة منتجي نصّ الرداءة المتشظي لما لهم من تسلُّط إعلامي أنموذجين: أوَّلهما ثلاثة أبيات لأحمد شوقي من قصيدة "نكبة دمشق"، وثانيهما مقطع من قصيدة "بعد الجليد" لخليل حاوي، ويقول: "إنَّ الابتهال والإنشاد والإفصاح المباشر والتوصيل واليقينيَّة والتلقينيَّة جميعها عناصر غير شعريَّة". ويقرِّر: "إنَّما الإشكالية الشعريَّة هي: كيف نخرج على الشفاهة إلى الكتابة، وعلى البداوة إلى الثقافة، وعلى زمن المنشد إلى زمن القارئ..؟"(ص19).
تكشف قراءة هذا الاقتباس جملة أمور أوَّلها: التعميم الذي يشمل النصوص الشعريَّة العربيَّة، ثم الثقافة العربيَّة، ثم معظم شعر مرحلتنا في نمطيه... وعلاوة على أنَّ التعميم من عيوب البحث العلمي، فمن قرأ هذه النصوص قراءة تفكيكيَّة وتوصَّل إلى هذه النتائج؟ وأين هي هذه القراءات ليتم تفكيكها وفق ما يقتضي المنهج التفكيكي نفسه الذي يرى أنَّ ليس من قراءة نهائيَّة، وأنَّ لا قراءة موثوقة معتمدة، والمهمّ، أساساً وليتمَّ النقاش، أين هي هذه القراءة التي كشفت؟ وثانياً: جلّ ما قدَّمه المؤلِّف اقتطاع جزء من قصيدة تعتمد الشطرين، وجزء آخر من قصيدة تعتمد التفعيلة، ومحاكمتهما، وإصدار أحكام جاهزة عليهما، والنصّ إنَّما يدرس بوصفه كلاًّ، والدِّراسة التي تجتزئ تنتمي إلى "الأشكال القرائية المتداولة" التقليديَّة، وليست قراءة القارئ المختلف. ثالثاً: إصدار أحكام على عناصر مثل الابتهال والإنشاد بأنَّها غير شعريَّة، والمجمع عليه في النقد الحديث أنَّه ليس من عنصر شعري أو غير شعري، فموقعه في نظام العلاقات ودوره في تشكيل هذا النظام واتصافه بالأدبيَّة هو الذي يحدِّد شعريَّته، وهذا ما يقوله المؤلِّف: "لا قيمة لعنصر معزول ولا وظيفة..." (ص9)، و"لا تستقيم الدلالة إلاَّ من خلال السِّياق" (ص20). رابعاً: صحيح أنَّ الشعر العربي ذو نشأة شفوية، وظلَّ لحقبة طويلة يُتَنَاقل من طريق الرِّواية، وهذا تقرِّره الحقائق التاريخيَّة وليس القراءة التفكيكيَّة فحسب، غير أنَّه لم يصدر عن الارتجال، في معظم نماذجه، فالتجويد كان يتمّ في حقبة مبكرة من تاريخه، والشعراء الموصوفون بـ"عبيد الشعر" كثيرون، وامرؤ القيس منذ باشر تقصيد القصائد كان يصطفي مما تخبره الجن، كما يقول في بيت من الشعر معروف. والرواية التي كان الشعر يُتَنَاقل بها كانت تمثِّل من نحوٍ أول القارئ الضِّمني الذي يكوِّن ملكة الشاعر (ثقافة شعرية تمثِّل قيم الجماعة الشعرية تصقل الموهبة الفردية وتتيح لها التفرُّد والاتصال بالآخر)، ومن نحوٍ ثانٍ وسيلة الحفظ، وبهذا هي نوع من "الكتابة"، بوصفها حافظة للإبداع الفردي، فالرِّواية الشفويَّة هذه، بوصفها هذا، تعني الكتابة، في مفهومها الحديث أي الإبداع الفردي، وليست هي الكلام الذي أراد دريدا توجيه نظرية اللغة منه إلى الكتابة. وعلى أي حال، فالمعروف في تاريخ الشعر أنَّ المراحل التاريخيَّة المبكرة هي التي أعطت أجمل الشعر، وإن كنَّا لا نريد الاستشهاد بالشعر الجاهلي فلنستشهد بهوميروس على سبيل المثال فحسب، لنستنتج أنَّ البداوة هي التي عرفت الشعر الجميل وأنَّ المنشد كان هو الشاعر الحقيقي، والدليل على ذلك ارتباط نشأة الشعر لدى جميع الشعوب بفنَّي الغناء والرقص. خامساً: وفي سبيل معرفة مدى صدق أحكام مثل: "أحادية دلالته، نسخيَّة ذاته..."، "لم يتلقَّ الرُّوح العربي من معظم شعرائه سوى المنسوخ الممسوخ من القصيدة ـ الخ..." الخ ... نعود إلى القراءة التي يقترحها بول دي مان في دراسته عن "السيميولوجيا والبلاغة"، وهي الفصل الأول من كتابه "استعارات الكتابة"، الصادر عام 1979.
يقول د.أيوب: "يهتم De Man بمسألة القراءة، ويستهل مبحثه التفكيكي بحكي الطرفة الآتية: "... تسأل الزوجة زوجها: كيف أعقد حذائي البولينغ أإلى أعلى أم إلى أسفل؟ يجيب الزوج: وما المختلف؟ عندها بدأت الزوجة تفسِّر ما المختلف. غضب الزوج كون قوله: ما المختلف كان تساؤلاً بلاغياً ولم يكن استفهامياً فعلياً. كان يعني: هذا أمر يثير سخريتي..." (ص25).
إنْ تكن هذه "اختلافيَّة" دي مان، ألا نجد في معظم نماذج الشعر العربي ميزة "الاختلاف"، أو في تسمية أخرى "الانزياح" عن المعنى المرجعي، أو مفارقة المدلول لمعنى الدَّال المرجعي، أو المجاز بلغة البلاغة العربيَّة؟ ثم أليس هذا الاختلاف بين المستوى النحوي والمستوى البلاغي للعبارة هو ما درسه علم المعاني وقصد به الخروج على المعنى المرجعي، ومصطلح الخروج نفسه، علاوة على المجاز، يفيد الاختلاف، والعبور إلى الضفة الأخرى، ضفَّة الإبداع، وهذا العبور يتمثَّل في نماذج حفظتها الرِّواية ـ الكتابة في الذاكرة والتدوين ـ الكتابة في الورق، ثم أليس في معظم نماذج الشعر العربي مثل هذا الخروج، ويحضرني، الآن، قول المتنبِّي، في قصيدته المعروفة "الحدث الحمراء":
هل الحـدث الحمـراء تعرف لونهـا وتعلـم أيّ السَّـاقِيَيْـنِ الغمـائِـم!؟
فإلى أي معنى خرج الاستفهام هنا؟ وهل من مسافة بين المدلول المرجعي والمدلول الأدبيّ، وكم من مدلول يمكن أن يتداعى هنا؟
سادساً: أمَّا "الممسوخ المنسوخ من قصيدة ـ الأب" فلعلَّ المقصود به اتباع الوزن والقافية ونظام التوزُّع في شطرين. وهذا الثابت (وهو في كثير من الحالات متغيِّر بسبب الجوازات والتشطير الخ...)، إن استخدمنا مصطلحات سوسير يقابل اللُّغة وليس الكلام، وهو يطول توزيع المقاطع اللغوية متوازنة في الزمان والمكان مع إيقاع يطَّرد لدى انتهاء كل دور ـ بيت فحسب.
والتفرُّد إنَّما يكون في ذلك النظام من العناصر المتميِّز في كل قصيدة، وهو يقابل الكلام بلغة سوسير أيضاً. والإشكالية في كثير من النَّقد تتمثَّل في أنَّه يختزل الشعر العربي المشبع نظام الشطرين بهذا الثابت ـ اللغة، وكي يكون الكلام ملموساً نقرأ هذا البيت لدعبل بن علي الخزاعي:
لا تعجبـي، يا سَـلْم، مـن رجـل / ضحـك المشـيب برأسـه فبكـى
إنْ نظرنا إلى هذا البيت، نظرة ترى بنيته السَّطحيَّة نقول إنَّه موزون مقفَّى ينسخ قصيدة الأب. وإنْ نظرنا نظرة ترى نظام العلاقات الناطق لدى اكتماله بالدَّلالة نرى الأمر مختلفاً. نحسُّ، منذ أن نقرأ هذا البيت، بصرخة الاحتجاج "لا"، يليها النِّداء "يا"، يليهما سكون الاستسلام ـ الخيبة: "بكى"، يمثِّل الصَّوت المتكرِّر "ا" فضاء النظام اللغوي، ويتحرَّك من احتجاج ـ نهي ـ رفض إلى نداء إلى سكون، ثم نرى ثنائية الحبيب ـ الحبيبة، بعد ما صدَّت بسبب مشيبه، فانطلق يخاطبها ناهياً إيَّاها عن التعجُّب، ويخرج النَّهي هنا على معناه الحقيقي إلى الاحتجاج، وإذ يتحرَّك إلى النِِّداء، يخرج إلى الطلب من الحبيبة أن تتأمَّل في حقيقة إنسانيَّة تمثِّل ثنائيَّة ـ مفارقة، وهي رغبة الإنسان في العيش ـ الوصال، وحيلولة الزمن ـ العمر دون ذلك وتتجسَّد هذه المفارقة صورة شعريَّة: "ضحك المشيب"، وهي صورة تظهر إحساس الإنسان بالعجز والخيبة، وجبروت الزمن ـ القاهر الضاحك في رأس الإنسان نفسه، فما يكون من الإنسان إلاَّ أن يبكي. وهكذا تتمثَّل ثنائية ـ مفارقة لغوية: ضحك المشيب برأسه ≠ فبكى تكشف حقيقة إنسانية ـ مفارقة هي إحساس الإنسان بالعجز إزاء قدر قاهر هو الزمن ـ العمر الذي يضحك منه في رأسه هو.
تتمثَّل الإشكالية، في تقديري، في البحث عن طرائق تنبثق من واقعنا التاريخي، كما انبثقت الطرائق الغربيَّة من واقعها، وواقعنا هذا تدخل في تكوينه طرائق الأسلاف وطرائق الآخر بوصفها ثقافة نقديَّة أي النِّصف الأوَّل، كما يقول د.أيوب، المسهم في تكوين القارئ المختلف، الذي ينجز قراءته، وهذا ما فعله د.أيوب في قراءته التطبيقية، وبخاصَّة، في مبحث "الشِّيفرات ودلالات المختلف"، إذْ إنَّه تخلَّى عن إطلاق الأحكام العامَّة، وأنجز بكفاءة الموهوب المحترف قراءة نصوص لا تتسق نتائجها وأحكامه العامَّة تلك، علاوة على أنَّها لا تنطلق من بناء/ أنموذج سابق. وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى نقاش.
يقول د.أيوب، في مبحث: "من البنيويَّة إلى التفكيك": "باكتشاف العلاقات والوظائف ينبثق المعنى"(ص9). غير أنَّه لا يلبث أن يقدِّم نماذج المتتاليات السَّرديَّة والوصفيَّة والبرهانية والتفسيريَّة، ويقول على سبيل المثال:" نورد تمثيلاً عن ترسيمة المتتالية السَّرديَّة حكاية الشاب الذي خبَّأ أباه، علماً أنَّ الترسيمة التي أوردناها صالحة لوصف جميع المتتاليات السرديَّة في كل أصناف القصّ"(ص37). والسؤال الذي يُثار هنا هو: هل تصلح ترسيمة لوصف جميع المتتاليات السَّردية في كل أصناف القصّ؟ وينسحب السؤال على المتتاليات الأدبيَّة الأخرى. في سبيل الإجابة نقول: إنَّ السَّرد أنواع، وهو مختلف في كل عمل، ولعلَّ تغيُّره واختلافه هو الثابت الأساس فيه، وفلاديمير بروب نفسه، عندما درس بناء الحكايات الشعبيَّة لم يضع ترسيمة تصلح لوصف جميع المتتاليات السرديَّة، وإنَّما توصل إلى معرفة وحدات ـ وظائف حدَّد عددها الأقصى بإحدى وثلاثين وظيفة، ولم يزعم أنَّها شاملة، وإنَّما تحدَّث عن إمكانيَّة استخدام أداة التحليل التي استخدمها، وهي الوحدة ـ الوظيفة لاكتشاف بنى الأشكال القصصيَّة المتنوِّعة، وهذا ما يمكن إفادته من طريقة بروب، ومن مختلف الطرائق النقدية الأخرى، وهو المعرفة ـ الإنجاز الإجرائي في اكتشاف نظام العلاقات والوظائف. ويمكن أن نقرأ ما يقوله رولان بارت في هذا الصَّدد: "يقولون إنَّ بعض البوذيين، بفضل صوفيَّتهم، يستطيعون الوصول إلى مرحلة يرون فيها بلداً كاملاً في حبَّة فاصولياء. وهذا على وجه التحديد ما أراد المحلِّلون الأوائل للقصَّة أن يفعلوه: أي رؤية كل قصص العالم... في بنية واحدة مفردة. قالوا لأنفسهم: سوف نستخلص من كل رواية أنموذجها. ومن هذه النماذج سوف نصوغ بناءً روائياً عظيماً سوف يطبق (بهدف التدقيق) على أي قصَّة قائمة، وتلك مهمة مرهقة... ثم إنَّها غير مطلوبة في نهاية الأمر، لأنَّ النصَّ يفقد اختلافه" ( S/Z, Paris, Seuil, 1970, P.9) .
ويقول فوكو إنَّ الأدب تحوَّل إلى "لغة خاصَّة... أصبح الوجود الطاغي المتمرِّد للكلمة... أصبح تعبيراً عن لغة لا تعترف بأي قوانين سوى تلك التي تؤكِّد وجودها".
إنَّ صدور النَّقد عن أنموذج صالح لوصف جميع متتاليات النوع الأدبي، هو صدور عمَّا ينبغي أن يكون، عن قوانين وقواعد مسبقة، ما يذكِّر بسرير "بروكست"، واللاَّفت في هذا المجال أنَّ بعض النقَّاد يجيزون لأنفسهم إعادة ترتيب أبيات القصيدة لتستقيم والنموذج الذي يتصوَّرونه كما فعل د.كمال أبو ديب في قصيدة امرئ القيس، ما يذكِّر بصنيع العروضيين الذين كانوا يصلحون في القصيدة لتستقيم وأوزانهم. والأنموذج اللغوي يلغي ليس الاختلاف فحسب وإنَّما، أيضاً، دور القارئ بالقدر الذي ينفي فيه وجود المؤلِّف، فأين هو نصّ القارئ المختلف في وجود ثابت هو الأنموذج؟
والمختلف، في تقديري، في هذا التعبير: " نصّ القارئ المختلف"، هو وصف لكلٍّ من النصّ والقارئ، ويمكن للقارئ أن يختار، أو أن يشكِّل علاقة متداخلة، فالقارئ المختلف هو الذي يكشف النصَّ المختلف، فيقدِّم قراءته، وهي قراءة غير نهائية وغير معتمدة، وهذا ما نزعمه لقراءتنا هذه، فهي تفتح باب نقاش في هذا المجال. والالتباس البلاغي، في هذا التعبير، وهو عنوان الكتاب، صنيع موهبة ودربة يلمسهما القارئ في جميع فصول الكتاب. هذا ما ينبغي تقريره، وإنْ كان من اختلاف في الرؤية إلى بعض المسائل فهذا شأن آخر.
ب ـ النقد النَّصِّي: نظريَّات ومقاربات
يعرف نبيل أيوب، على مستوى التَّنظير، أنَّه عندما يعرض نظريَّات نقديَّة، في حركة تطوُّرها من الشكليَّة الروسيَّة إلى الألسنيَّة فالبنيوية فالسيميائية فالنقد الموضوعاتي...، أنَّه لا يأتي بإبداع تنظيري، لكنه يعرف، في الوقت نفسه، أنَّه يقدِّم معرفة متميِّزة بهذه النظريات يصفها بقوله: "تشبَّعت من قراءة تلك المراجع حتى باتت تقيم في داخلي..."، ويعدّها خلاصة خبرات في التأليف المدرسي والجامعي، وفي تقييم مشاريع طلاَّب الدِّراسات العليا ومناقشة رسائلهم وأطروحاتهم.
ولعلَّ هذه المعرفة/ الخبرة هي ما جعلت هذا العرض يتَّصف بعمق العلم بالنَّظرية وشموله وسهولة المأخذ، ما يفتح الباب أمام الطلاَّب وغير المختصين بالنَّقد الحديث للولوج إلى عالم حركة نقديَّة طالما شكوا من تزمُّت الآخذين بها، وغلوُّهم في تطبيقها واختلاف مصطلحاتهم واتجاهاتهم. وفي سبيل أن يكون الكلام ملموساً نقدِّم أنموذجين دالَّين:
أوَّلهما البحث في السيميائية، والكلام عليها في كثيرٍ من الكتب الأخرى خليط غريب.
يتحدَّث هذا الكتاب عن السيميائية، فيعرِّفها، ويتتبَّع تطوُّرها ويميِّز اتجاهاتها، بين وظيفيَّة لدى بيرس، وعلم رموز لدى سوسير، وتضمينية لدى بارت، وتوسُّعية لدى كريستيفا، ثم يميِّز بينها وبين كلٍّ من الألسنيَّة والبنيوية، والأصناف التي صارت إليها دراساتها، ويحدِّد ما أضافه كلٌّ من بنفنست وغريماس، ويقدِّم مقاربات سيميائية معروفة، منها مقاربات "سونيتة القطط" لبودلير، ويقارن بينها، ويخلص إلى إمكان تعدُّد القراءات الدَّلالية للنَّص الواحد ضمن المنهج نفسه، ما يدفع إلى تصوُّر تعدُّد إمكانات القراءة وتنوُّعها. ثم يبحث في قضية يتصف الكلام عليها باضطراب وخلط شديدين، وهي التمييز بين النَّص والخطاب، ومقاربة كلٍّ من البنيويَّة والسيميائية لهما. ولمَّا كانت هذه القضية، موضع "ابتلاء" راهن، كما يُقال، فقد يكون مفيداً أن نتوقَّف قليلاً للكلام عليها بإيجاز.
يرى أيوب أنَّ الخطاب نصٌّ يوجَّه إلى مخاطب، يتضمَّن موقفاً/ رؤية، ويمتلك ميزة التواصل/ الوصول إلى المتلقِّي والتأثير فيه، وإن أردنا التحدُّث بلغة النقد الأدبي العربي القديم، لقلنا في ما يتعلق بميزة الاتصال: إنَّه النَّص الذي يتصف بالإفصاح من نحوٍ أوَّل والإبلاغ من نحوٍ ثانٍ، ما يثير إشكاليَّة تتعلَّق بنماذج أدبيَّة تفتقر إلى ميزة الاتصال، فهذه، ومن هذا المنظور، لا تعدُّ "خطاباً" لأنَّ المخاطب ليس مكوِّناً من مكوِّناتها، ولعلَّ هذا "النقد" جعل بعض الأدباء يتوقع قرَّاءً يأتون في الآتي من الأيَّام.
ينبغي أن تتوافر في من يقدم على مقاربة الخطاب الأدبي كفايات كثيرة: لغويَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة ونفسيَّة ومرجعيَّة، وقبل ذلك كلّه كفاية شخصيَّة هي الموهبة.
وقد قاربت البنيويَّة النَّص بوصفه "نظام علاقات عناصر" ذا مستويات صوتيَّة ومعجميَّة وتركيبيَّة ودلاليَّة "تتعاضد" لتشكِّل بنية نظام. أمَّا السيميائية فباتت تقارب النَّص بوصفه خطاباً، أي بوصفه نظام علاقاتٍ تنتج دلالة يتبيِّنها المتلقِّي، أو بوصفه كليَّة دالَّة تنتظم في سياق، ما يعني أنَّه فعل يحدث/ يُتداول...، وهكذا تتجاوز السيميائية البنيويَّة، فترى، علاوة على النظام/ الكلّ إلى "مقام" الخطاب وسياقه.
يبحث د.أيوب هذه القضيَّة، ويقترح خطوات تُتَّبع لدراسة النَّص ـ الخطاب، ويقارب أنموذجاً مقاربةً تطبيقية، ما يقدِّم لقارئ هذا الكتاب معرفةً نظريَّة ومنهجيَّة وتطبيقية في آن.
وثانيهما البحث في النَّقد الموضوعاتي، وقد يكون مفيداً التركيز على مسألة تدل على عمق المعرفة بالموضوع ودقَّة التمييز، ففي الكلام على هذا النقد جاء في الكتاب أنَّ التحليل النفسي رافد من روافد هذا النَّقد، غير أنَّه سرعان ما تخلَّى عن منحى التحليل النَّفسي الذي يركِّز عمله في اللاَّوعي وعليه، ليركِّز عمله، أوَّلاً، في مرحلة "ما قبل الوعي"، وثانياً في الفصل بين المعنيين: الظاهر والضِّمني...
إنْ قرأنا هذا الكلام، وقرأنا في غير كتاب ما جاء عن النقد الموضوعاتي نتبيَّن الفرق، فكتاب "النقد النصِّي" نفذ إلى الجوهر في حين توقَّف كثيرون لدى الظاهر، ومن النماذج التي جاءت في بعض الكتب التي تقرِّر أنَّها تعتمد المنهج الموضوعاتي، نقدِّم ما يأتي:" يرفض هذا المنهج التحليل النَّفسي لأنَّ هذا يردّ صورة العمل الأدبي إلى تكوُّنها...، إنَّ هذا المنهج ـ الموضوعاتي يتناول الأنا التاريخي لا الأنا المعاصر...". وهكذا، كما يبدو، أنَّ المعرفة غير المكتملة أدَّت بكاتب الكلام الذي استشهدنا به إلى أمرين:
1ـ التناقض بين إرادة معرفة الأنا التاريخي وعدم ردِّ صورة العمل الأدبي إلى تكوُّنها، والتكوُّن، هو المسار التاريخي، فردُّ صورة العمل الأدبي إلى تكوُّنها هو ما يقدِّم معرفة الأنا التاريخي
2ـ عدم معرفة الصِّلة الدقيقة بين النقد الموضوعاتي والتحليل النفسي، فما تخلَّى عنه النقد الموضوعاتي هو التركيز، في العمل، على اللاَّوعي". وفي ما يتعلَّق بالمستوى الثاني التَّطبيقي، يقول د.أيوب إنَّ مقاربته لعشرات النصوص أثبتت أهميَّة "القبض"، منذ البداية، على البنية الدلاليَّة الكليَّة وطرحها على أساس أنَّها فرضيَّة القارئ عن النَّص/ الخطاب، ثم النزوع إلى إثباتها بدراسة تعاضد المستويات والعلاقات...، ما يفضي إلى الكشف عن محور الدلالة وجريانها والمطابقة بين المستويين النَّصِّيين: التَّصويري الحسِّي والموضوعاتي التجريدي، وبذلك يتجنَّب الباحث التفاصيل المملَّة وغير المفيدة ويحقِّق العلميَّة في مقاربته.
إنَّ هذا الكلام على أهميَّة خبرة الناقد ودربته، أو على النَّقد، بوصفه علماً/ صناعةً كباقي الصِّناعات، يعيد إلى الذَّاكرة ما قاله محمد بن سلاَّم الجمحي، مؤسِّس النَّقد العربي القديم، رائد اتجاه النَّقد النصِّي الذي يُتَّخذ أساساً لكتابة تاريخ الأدب، وما قاله ابن سلاَّم في كتابه: "طبقات فحول الشعراء" معروف، وهو: "وللشِّعر صناعة وثقافة يعرفهما أهل العلم...، وإنَّ كثرة المدارسة لتعدى على العلم"، و"كثرة المدارسة" بتعبير ابن سلاَّم تفيد المعنى نفسه الذي تفيده "مقاربة عشرات النصوص"، بتعبير أيوب، والمعنى هو دراسة النَّص وتمييزه وتبيُّن الشعريَّة فيه، أي مزاياه النوعيَّة التي تجعل منه أدباً وبلورة هذه المزايا وتصنيفه وتقييمه، وهذا هو النَّقد النَّصِّي الذي يمارسه بكفاءة الناقد المتميِّز.
وهكذا، كما يبدو، أنَّ كلاًّ من ابن سلاَّم وأيوب يشترط في النَّاقد القدرة المتأتِّية من الثقافة والعلم أوَّلاً، ومن الدّربة والبصر الثَّاقب بالشعر ـ الأدب ثانياً، وثانياً هذا يعني ما سمَّاه ابن سلاَّم "المدارسة"، وهي تعدى على العلم.
وإن يكن النَّاقد القديم والنَّاقد الحديث قد التقيا في أمر من الأمور، فإنَّ الثاني منهما يتميَّز من الأوَّل بأمور كثيرة منها: معاصرته لتطوُّر العلم وتقدُّمه والعلم بنظريات شعريَّة كثيرة، ووجود مناهج بحث حديثة، واتباع منهجيَّات علميَّة الخ...
وقد أفاد أيوب من النظريَّات والمناهج والمنهجيَّة...، فانتقل في دراساته التطبيقيَّة من تأطير النَّص إلى تقطيعه، ومن ثم إلى تقديم معرفة بمستوياته وتعاضدها، ما يفضي إلى تبيُّن انزياحه الدلالي.
لكن "القبض" على الشعريَّة، في النَّصِّ، يقتضي، علاوة على الثقافة والعلم، قدرة أخرى هي، كما مرَّ بنا، الخبرة والدُّربة، أو "المُدَارَسَة" التي تعدى على العلم أو "مقاربة عشرات النصوص"...، وهاتان القدرتان، كما تفيد التجربة غير كافيتين؛ إذ لا بدَّ من قدرة أخرى يمكن أن نسمِّيها "الحدس النَّقدي المرهف" القادر على اكتناه جوهر اللُّغة الشِّعرية، ثم، وبعد "القبض" على هذا "الجوهر"/ الشعريِّة يأتي دور البحث المتحوِّل بمعطيات الحدس إلى معطيات علمية مقبولة من الآخر.
إنَّ اللغة الشعريَّة، كما يقول جان كوهين: "ليست غريبةً عن الاستعمال الصحيح فحسب، بل هي ضدّه، لأنَّ جوهرها يتمثَّل في انتهاك قواعد اللغة..."، أي أنَّ اللغة الشعريَّة تغاير القانون وتفارقه في الوقت نفسه الذي لا تخرج فيه عن الصِّفة المميِّزة للغة وهي التواصل.
وهذا يعني أنَّ القبض على الشعريَّة يتطلَّب عملية أخرى تسبق عمليتي الوصف والتحليل وترافقهما، وهي كما قلنا قبل قليل "الحدس النقدي المرهف"، وإلى عملية تالية تتحوَّل بالمعطيات جميعها إلى معطيات علميَّة. أما الاقتصار على عمليتي الوصف والتحليل فيفضي إلى نتيجة يوضحها رينيه ويليك عندما يتحدَّث عن تحليل رومان جاكوبسون وكلود ليفي شتراوس لـ"سونيته القطط" لبودلير. يقول ويليك إنَّه معجب ببراعة تحليلهما، لكنه يرى أنَّهما لم يقدِّما أي شيءٍ عن قيم القصيدة الجمالية، لذا فهو يتفق مع ريفاتير حين يقول: "لا يعطينا التحليل النحوي لأي قصيدة أكثر من نحو تلك القصيدة".
إنَّ النَّاقد الأدبي لا يبحث في النَّص عن "نَحْو النَّص" بوصفه غايةً مطلوبة لذاتها، وإنما يبحث بغية معرفة قيم القصيدة الجمالية/ الشعرية وتقديمها للمتلقِّي، ونحن، هنا، نتحدث عن الناقد الأدبي وليس عن أيِّ باحث آخر كي لا تختلط الأمور، فلكلٍّ مهمته، للألسني مهمته وللناقد الثقافي مهمته
د. عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام. الصفحة الثقافية
- علامات:
- إقليمي ودولي
