28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | سماوات الحبِّ العشر ، لعبد الغني طليس ، أعجوبة الحبّ ./ جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | سماوات الحبِّ العشر ، لعبد الغني طليس ، أعجوبة الحبّ ./ جريدة الأيام الإلكترونية عبد المجيد زراقط* :
" سماوات الحبِّ العشر " ، لعبد الغني طليس ، مجموعة شعرية صدرت مؤخراً عن دار الأمير للثقافة والعلوم ،( بيروت ، ط.١ ، ٢٠٢٢ ) . السماوات العشر والعالم العجائبي
يصدِّر الشاعر مجموعته ببيتين من الشعر يسوِّغ بهما تجاوزه عدد السماوات المتداول بحبِّه ل" العجائب " . واذ نبحث عن سرِّ هذه العجائب ، نلحظ أنَّ صورة الغلاف مستوحاة من عالم ألف ليلة وليلة ، دنيا العجائب ، وهي دالَّة على عالم الحب ، ولمَّا كان العنوان دالٌّ على هذا العالم ، بسماواته الزائدة ، هل نقول : ان العالم المعنيِّ ، هنا ، هو عالم الحب ، عالم العجائب وصانعها .
ثنائية عالم الغابة
يقول الشاعر ، في مقدمته لمجموعته الشعرية : " قصيدتي هي مسير في غابة تفاجئك ، مع كل خطوة ، ويذكر أشياء تمثل اشارات رمزية دالَّة على عالم صراع واقتتال....، تشكل طرفاً أوَّل ، من ثنائية تضادّ طرفها الثاني عناق العاشقين في عالم الحب .
الشعرالكلاسيكي والعمودي
يريد الشاعر أن يذهب الى هذا العالم ، بوصفه ينابيع الشعر ، ليمثله شعراً " كلاسيكيا " ، وان كان له حلم ، فهو أن يضعه شعره والأيام " في مقدمة شعراء الكلاسيكية الثائرين انصافاً للكلاسيكية ..." ( ص. ٨ ) . وكان قد فعل ذلك على غلاف مجموعته ، فكتب " شعر كلاسيكي " . وهو يقصد الشعر الموزون المقفى ، المتبع نظام العروض الخليلي . كما أنَّه يصنِّف شعره ، في موضع اَخر ، بالشعر العمودي ، معتمداً معياراً هو طريقة كتابة هذا الشعر العمودية . وعمود الشعر ، كما هو معروف ، شيء اَخر ، كما بلوره المرزوقي ، في مقدمته لشرح حماسة أبي تمام . الحداثة الشعرية العربية وثورة الشعر الموزون المقفى
يحذر الشاعر القارئ ، في مقدمة المجموعة : " قف / خطر شعرٍ كلاسيكي " . يشعر القارئ بالخطر ، فيطيع الشاعر ، ليتبيَّن حقيقة هذا الخطر ، فيجد مقدمة تتحدث عن عدة قضايا ، منها : الحداثة الشعرية العربية التي فجرها شعراء كبار ، فكبَّروها " منذ مجلة شعر اللبنانية ( ١٩٥٧ ) ومجلات أدبية أخرى " ( ص. ١ ) . الواقع أن الحداثة الشعرية العربية ، فُجِّرت ، كما هو معروف ، قبل عام ١٩٥٧ بكثير . ثم ، وكما يضيف الشاعر ، " وبمرور ثلاثة أرباع قرن كاملة " ، دخلت هذه الحداثة في الاستسهال وحب النجومية والتقليد... ، ماصنَّمها ؛ الأمر الذي يقتضي بذل جهد نقدي واسع وعلمي " لنتحسس مواقعنا الدقيقة في عالم ابداع الشعر ، فلا تبقى الصورة خلطبيطة " ( ص.١٤ ) . ثم يتحدث عن بحور الشعر العربي ، بوصفها " معمودية نار " لمن يكتب الشعر عند العرب ، مايقتضي القيام بثورة مضادة ، مع عدم التخلي عن حرية روح الشعر ... .
الشعر الحقيقي
واذ يقرر طليس ذلك ، يقول انه نظم بالمحكية ونظم قصيدة التفعيلة والقصيدة النثرية ، لكنه حريص على " الشكل الشعري الكلاسيكي ". ويقرِّر أنَّ الشعر الحقيقي يمكن أن يولد " على الشكل الكلاسيكي ، وعلى التفعيلة ، وعلى السطر النثري ، وحتى في سؤال وجواب غريبين كأن يُسأل ذلك الأعرابي : " هل تعرف مواقع النجوم ؟ فيجيب : " وهل ينسى أحدٌ سقف داره ؟ " . هذا القول صحيح في وصف كلام ينتظم عنصر شعري في تشكيل بنيته ، وهو الصورة ، لكنه لايصدق على وصف الشعر الحقيقي ، فالشعر لغة أخرى ، نوعية ، مختلفة ، تولد كاملة ، منذ أن بدأ الانسان التغني بالشعر في مواسم العمل ، وفي أداء الطقوس الدينية ، والعنصر الأساس فيها ، اضافة الى عناصر أخرى ، منها المجاز / الانزياح ، بمختلف أنواعه ، النظام الايقاعي الذي تمليه التجربة الشعرية ، وقد يتشكل من الوزن والقافية العروضيين ونظام تنغيمي ، وقد يتشكل من نظام اَخر تلده التجربة الشعرية لمرحلة تاريخية يمثلها شعراء كبار يخطُّون الدرب ويشقُّونها ، وعندما تُعبَّد يسلكها اَخرون ، وتبقى هكذا الى أن يأتي شعراء اَخرون يخطُّون دروباً جديدة ، ويشقُّونها ، وهكذا... .
الموضوعات الشعرية
وطليس ، في هذه المجموعة ، كما يقول ، كان حرَّاً في اختيار المواضيع ، ويرى أنَّ أيَّ موضوع يمكن أن يكون موضوعاً شعرياً ، شريطة البراعة في التعبير " ، وهذا مايتحول بالفردي الخاص الى انساني عام " قائم على الحب في أرضه وسماواته التي... نحددها نحن " .
التجربة الحياتية الشعرية والوزن والقافية
ان يكن الشاعر حريصاً على نظم الشعر الموزون المقفى ، ويدعو الى ثورة مضادة يقودها شعراؤه ، فانَّ سؤالين يطرحهما هو ، تتضمنهما قصيدة : " أنا لاأطيق لك الزعل " غير الموزونة عروضياً ، والمتشكلة من مقاطع يتألف كل مقطع منها من عدة أشطر ، وينتهي بقافية موحدة ، يلفتان القارئ ، وهما :" ماللقوافي لم تعد تغفو على وزن / وللأوزان أفقدها الحنين صوابها " !؟ ( ص. ١٣ ) . هل أن التجربة الحياتية الشعرية أملت هذين السؤالين ، وتالياً الخروج على نظام الشطرين ، الموزون المقفى ، مايعني أن التجربة الحياتية الشعرية هي التي توقظ القوافي ، وتفقد الأوزان صوابها ، وتملي نظامها الايقاعي ؟
هذه المجموعة الشعرية
تتضمن هذه المجموعة الشعرية اثنتين وثلاثين قصيدة موزونة مقفاة ، وثلاث قصائد تخرج على هذا النظام العروضي الى نظام المقاطع المقفاة ، وثماني وثلاثين مقطوعة موزَّعة ثلاثيات ورباعيات وخماسيات وسداسيات ، وتسميتها بهذه الأسماء كانت نسبة الى عدد أبيات كلٍّ منها ، وليس الى تشكُّلها في نظام شعري مختلف مثل نظام الرباعيات المعروف .
هذه القصائد ثرية بالمجاز ، المتمثل في صور شعرية مبتكرة ، ومن نماذج هذه الصور نذكر ، على سبيل المثال : " انَّ الجفاف على شفاهك سارحٌ / كالعشب يُرسل ، في الهواء أنينا " ( ص. ١٢٠ ) . يستحضر هذا البيت صورة المرأة / الطبيعة ، وكلٌّ منهما يحتاج الى " ماء " ، ليحيا ، ويخصب ، وان لم يُسق ، يجفُّ ويئنُّ ، وتتشكل لوحة الجفاف ، ومكوِّناها الشفاه والعشب يوحِّدهما العطش ، لتنطق بالأنين ، بالحاجة الى الحب الذي يعيد الى العالم ، بأناسه وطبيعته ، الحياة المعطاء ، وهذه هي أعجوبة الحب .
الموضوعات الشعرية الموضوعات التي يرى اليها الشاعر ، في هذه المجموعة الشعرية ، كثيرة ، يمكن أن نتحدث عنها ، بإيجاز يقتضيه حجم مقالة قصيرة ، كما يأتي :
قدرة الشعر السحرية : طليس يرى أنَّ الشاعر يملك قدرة سحرية ، وأنَّ الشعر ذو فاعلية خارقة ، ومن النماذج الدالة على ذلك خطابه للشاعر :" تحرِّك موج البحر ان أنت تقصد / وتأمره في طرف عينٍ ... ، فيجمد /... " .
العالم العجيب الذي مُسخ : لكنَّ مقطوعة " كتَّاب لبنان " تنطق برؤية مختلفة تماماً عن هذه الرؤية ، ولنقرأ ونر :" كتَّاب لبنان أشياع وأتباع / كلٌّ على منظر الدولار يلتاع / ... كتَّاب لبنان ماتوا منذ هدَّدهم / دولارهم أن اذا لم يركعوا جاعوا " ( ص. ٢٠٧ ) . السؤال : أيُّ الرؤيتين نصدِّق ؟ الاجابة : الرؤيتان صادقتان ، والتحوُّل / المَسخ حدث في عالم عجيب عنوانه : " اذا لم يركعوا جاعوا " ، ويرسم الشاعر صورة شعرية مبتكرة تصوِّر حالة المسخ ، فيقول :" وجسمي كأنَّ الرمل صاحبه ... ،" ، ( ص. ٧١ ) ، ويقول في موضع اَخر :" عن الفقر أحكي كيف أصبح شاهداً / يحوِّل مالي ... قمامة مال / ... عن الجوع ... / عن القهر ... / عن الدمع ... " ، عن بلادي التي ماتت ، وتعود الى موت جديد ... " ( ١٥٣ – ١٥٥) . ويستعيد ، في تناص ، حالة أبي فراس الحمداني ، الأسير المعذب ، وينشد :" أقول وقد ناحت بلادي على يدي / تعالي الى صدري الجريح تعالي " (ص. ١٥٩) . وتبلغ مأساة هذا العالم العجيب ذروتها ، في انفجار مرفأ بيروت في الرابع من اَب سنة ٢٠٢٠ ، فيضع لقصيدته عنه عنوان :" حديث الذئاب " ، ويقول في مايقوله :" أطاح انفجار فيه بالعقل ، قائلاً :/ خرائب عزرائيل بعض خرابي ... " ( ص. ١٨٨) . واذ تأتي بلاده الى صدره ، يحتضنها ، ويهمس لها : " بلادي تكاذبنا لنحفظ ودَّها / لأنَّ لنا فيها ... قبور غوال " ( ص. ١٥٧ ) .
" الأنا" فجرُ نفسه : لكن مهما تعتم حالته ينهض ، ويقول : " أنا فجر نفسي حين تُعتم حالتي / وأغلى نجوم السعد بالحبِّ أشعل "( ص. ٧٣ ) . فمن هو هذا " الأنا " فجرُ نفسه ؟ وكيف يشعل بالحب أغلى نجوم السعد ؟
نلاحظ ، ونحن نتبيَّن العناصر التي تشكل هوية " الأنا " ، كما تتمثل في قصائد هذه المجموعة ، التناقض في هذه العناصر ، فمن نحو أول يقرر، في قصيدة " بيان الطفولة " (ص. ٢١- ٢٧ ) ، أنَّ الطفولة مرجعه ، وأنَّ الطفل ، وان بلغ الأربعين ، أو الستين من العمر ، حدَّد موقعه ، ومن نحو ثان يقول ، في قصيدة " يدي الطويلة "( ص٨٣- ٨٥ ) : " وبي ما بالسيول ، اذا استبدَّت / وخوَّفت ... البساتين الجميلة / ... أنا شرٌّ ... ، وتؤنسني شروري / وأكثر ماأحبُّ يدي الطويلة " . ويبدو أنه يعي هذا التناقض ، فيقول ، في قصيدة " سنديان وتفاح " ( ص. ١٣٧- ١٣٩ ) : " قاسٍ أنا كالسنديان ، وكلما / هزُّوا غصوني ... ، يسقط التفاح / ضدَّان فيَّ ، فراشة شعرية / ولصوص ليل هاجهم مصباح " ، وهو اذ يعي هذا ، يسأل : " كيف التأمتُ ، وبي مزاج مخرِّب / وحديقة ، في بابها ، مفتاح " ؟ . ومن مظاهر " هذين الضدين " اعتقاده ،من نحو أول ، بأنَّ " الرزق ليس قسمة "( ص.٩٣ – ٩٦ ) ، وتقريره أن السماء على قدر العزائم تمنح . وشعوره ، من نحو ثان ، بأنه مسيَّر ، كما في قوله :" وأنا أدَّعي أنني قد عثرت على الصحِّ في الحب / وهو العمى " ( ص. ١٨٦) ، وكما في انشاده : " وكانت خياري ... ، دونها الكلُّ ، وانتهى / شعوري بأني خلف كعبي ... مسيَّر ! ( ص. ١٥٠ ) . الحبّ : فهل هذا الاقرار بأنه مسيَّر يعود الى شأن لاسلطان للمرء عليه ، وهو " الشعور" / الحب ، فيختار الحبيبة / الزوجة التي يمليها القلب عليه ، لاتصافها بما يلد نبضاته ، فيقول بلسان الشاعر : " جنوبية ... ، قطر الندى من خصالها / وان نطقت حرفاً... ،فمسكٌ وعنبر " (ص.١٤٨) ؟
للحب ، في هذه المجموعة ، الحيز الأكبر ، والمرأة ، في قصائده ، كائن سماوي يضيف الى سماوات الناس السبع ثلاث هنَّ له وحده . يطلُّ من صوت المرأة ، في هذه القصائد ، سرب الحساسين ، ولها كرجة الشمس في صبح البساتين ، وهي تستبدُّ بالأمر كالسلاطين ، وتجمع القسوة الى اللين (ص. ١٠٥و١٠٦ ) . لذا ، فهو في حبٍّ دائم لها : " وكلما متُّ في حبٍّ ، أعود/ الى حبٍّ وموتٍ ... ، أنا العنقاء في التيه " ( ص. ٢٠٢ ) ، غير أن هذا الذي ان تبسم امرأة له ، يرى ملائكة نادت عليه : تعال ( ٢٠٥) ، وهذا الذي يعطي المجد للنساء ، والقائل :" أنا أتمنى أن أصير مبلِّغاً / على شعره ، في الحب ، تُختتم الصلا " ( ص. ١٣١ ) يعترف بأنَّ ذنبه فظيع ؛ اذ ألقى في عينيها رحله وانتظر... السرابا ؛ ذلك أنَّ المرأة ، كما تبدو ، هنا ، مستحيلة الامتلاك .
أعجوبة الحب
واذ يطوف طويلاً في عالم الحب ، ويتمثَّل ، ويمثِّل ، تجارب متنوعة لغة شعرية ، ينتهي الى القول: " أيها الحب زنِّر الأرض يوماً / وستشفى على يديك الشعوب " ( ص. ١١٨ ) . وهذه هي أعجوبة الحب يراها شاعر طوَّف في دروب العالم وشعابه طويلاً .
* د. عبد المجيد زراقط - أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية