28.5c درجة الحرارة في بيروت
image

القضية الفلسطينية بين مفصل التاريخ ومسألة اليهودي حاضرا/تائها.

القضية الفلسطينية بين مفصل التاريخ ومسألة اليهودي حاضرا/تائها. كتبَ عبد الحفيظ بن جلولي :
أن يكون المحتل في مؤخرة الصدارة، ذلك ما يراه العقل السّليم الذي يروم الانتصار على الغاصب وطرده خارج حدود الجغرافيا التي تعود تاريخيا وواقعيا للمستعمَر، وعليه تنبني جميع الطروحات النضالية والمغامرة داخل بوتقة المسار الفكري والعسكري المتلازمين لزحزحة الرّواية الإستعمارية المنكبّة على خلق وعي متوافق والوضع الاحتلالي من حيث الرّؤية والواقع، فتسعى الآلة الفكرية الاستعمارية إلى تجنيد كافّة أدواتها العقلية والمادّية لكسر الحاجز النّفسي بين المستعمِر والمستعمَر وبالتّالي يتحقّق التواصل الذي يجلب عملية الخضوع (التطبيع) في النهاية، عن طريق الدفع بالمغلوب إلى الانبهار بالغالب (البحث العلمي، الديموقراطية، الحرية..).
إذا، على الدّوام هناك المستعمَر الذي تتصوّر له الحالة المستحدثة في تغييب شخصيته عن طريق الاستيلاء الدّموي على أرضه ابتداء، ثمّ تسخيره من قبل المحتل كمستعبَد يستثمر مقدرات وطنه لصالح الآخر، وبعد ذلك اعتباره مستوى ثانوي في سلم الإنسانية الذي يجعل من خلاله المحتل نفسه أرقى من ابن البلد، ليأتي المستوى الأخير وهو الشعور بالاغتراب على أرضه، وهو المستوى الذي يتكرّس بعد سنين الاستعمار ويجلب بالتّبعية معطى “عدالة القضية”، أي اهتمام الآخر الإنساني مع المظلوم الذي يعاني من القوّة الغاشمة والتهميش والإلغاء الممارسين من قبل المستعمِر.
طول المدّة الزّمنية للحالة الاستعمارية يخلق مسارات المقاومة للمحتل التي تنقسم إلى قسمين، مسار نضالي عسكري مقاوماتي ومسار سياسي مدني تفاوضي، وعلى الأرض يجب أن يكون المسار الأوّل في أوج قوّته لخلق حالة الندّية أثناء اجراءات المسار الثاني، وهو ما لم يحدث في القضية الفلسطينية منذ اتصالات “عصام سرتاوي” مستشار عرفات عام 1976 بباريس مع الإسرائيليين وتمّ بعدها اغتياله في 1983 في لشبونة، ومرورا باتفاقيات أوسلو العام 1993 إلى كل مراحل المسار التفاوضي العبثي بعد ذلك، إذ كانت تمارس على الطرف الفلسطيني الضغوط وخصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية وأنظمة التطبيع العربية، بما كانت تنتج عنه مستويات من الإمعان في هضم حقوق الشّعب الفلسطيني والمساهمة في شل حركة مفاوضيه وجعله يخضع لإملاءات المفاوض الصهيوني، ولهذا لم تكن عدالة القضية قوية بما يجعلها في موقع الندّية التي تجعل من الفلسطيني مشاركا في مخرجات المفاوضات من قرارات احتبست في بياض الورق.
لم تكن يوما المعادلة الفلسطينية متوازنة إلا عندما يكون القرار الفلسطيني متبنّيا على أسس المقاومة، ولهذا كان الرّاحل عرفات متأبّطا رشّاشه إلى أن استبدله بفرع الزيتون لأجل أن تنزع صفة الإرهاب عن منظمة التحرير الفلسطينية وعنه شخصيا، إذ كان حاملا لها في الدّوائر الغربية، والحقيقة أنّ الانتفاضة حقّقت للشعب الفلسطيني ما عجزت عنه اتّصالات سرطاوي مع الصّهاينة من القوّة والحضور الفاعل والندّي في مواجهة الأطروحة الصّهيوينية، سواء على مسار التاريخ حيث وضعت الصّهيوني باعتباره يهوديا أمام نفسه، لأنّ التاريخ يثبت أنّه لا تاريخ هناك لشعب يهودي خارج نطاق المنظومات التاريخية التي عاش في كنفها، وبالتّالي ليس هناك يهوديا بالمعنى الخالص للأطروحة إلا باعتباره نازحا من دولته الأم، وهو ما يعني وظيفية الجماعة اليهودية بالنّسبة للقوى الكبرى الغربية، فالدّعم الدّولي للقضية الفلسطينية لم يكن فقط على المستوى المادّي بل على المستوى المعنوي أيضا إذ جعل الفلسطيني يقف على وعي ذاته أمام مرآة التاريخ باعتبار اليهودي عنصرا من عناصر الانتشار وليس الشتات الذي وضع اليهود كجماعة منغلقة تعمل على جمع سدى لحمتها أمام مرآة التاريخ لتجعل من نفسها أمّة لها أرض، أطلقت عليها “أرض الميعاد” ونسج الحكاية التوراتية في “شعب الله المختار”، وراحت تبني الخرافة الحفرية في الوجود التاريخي للتابوت والهيكل، ومن ثمّة كانت الانتفاضة وما قبلها وما تلاها من نضالات مستميتة من أجل إسترجاع الحق المهضوم عاملا حاسما في جرّ الصّهاينة إلى المعترك الحقيقي للنّزال من أجل إنهاء حكاية متخيّلة لوضع شعب منتشر تاريخيا عاش في كنف القوى الحضارية التي احتضنته واستوعبته وجعلته عنصرا من عناصر تنوّعها الثقافي والحضاري كما هو الحال بالنّسبة للحضارة العربية. منذ برونو باور في كتابه “المسألة اليهودية” 1843، ومقالة كارل ماركس(حول المسألة اليهودية) في الرد عليه 1844، وصولا إلى جون بول سارتر في كتابه “تأملات في المسألة اليهودية”، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، استخدمت “اليهودية” كعنصر من عناصر الدعوة إلى المظلومية اليهودية باعتبارهم جماعة اجتماعية وجب النّظر إلى العنصر القومي الذي يشكلها وبالتالي يحقّق هويتها والذي يستلزم وطن قومي لها، وهذا ما يجعل “اليهودية” في التمرجع بها كعنصر من عناصر الاحتلال وتدمير الهوية الفلسطينية مثالا صارخا على تفريغها وتحييدها عن هامش الدّيني، فلقد “جادل باور بأن اليهود لا يستطيعون تحقيق التحرر السياسي إلا إذا تخلوا عن وعيهم الديني الخاص لأن التحرر السياسي يتطلب دولة علمانية“، إذا، ضرورة التخلص من الجانب الديني في اليهودية واعتناق العلمانية باعتبارها مسارا سياسيا يحقّق الوجود اليهودي وسيادته، ولهذا عند توظيف “اليهودية” في القراءة التاريخية والاستعمارية للصّهاينة، فإنّ ذلك لا يعني اليهودية كدين، وإنّما كلبوس اتخذته جماعة وظيفية لتحقيق كيانها الغاصب.
إنّ استعمال هؤلاء المفكرين لليهودية والتأكيد على مسأليتها، إنّما يعني في الوعي القائم بالكيان الوجودي الصّهيوني حلقة من حلقات تكريس الدّيني بما هو خادم للجانب السياسي، ومن ثمّة ينخرط المتديّن اليهودي في لعبة المحتل العلماني الذي يحقق لليهودي مسعاه في الوصول إلى أرض الميعاد، وهو العامل المشترك بينهما، أي الأرض، ولهذا تجد الكيان الصّهيوني من أكثر الجماعات الاجتماعية المتشبّثة بالاستيطان، لأنّه كيان إحلالي، لا يستتب له الأمر إلى إذا قام بعملية المحو المعادِلة للتطهير العرقي للفلسطيني، الذي يراد أن يكون وجوده دوليا خارج وضع لاجئ، لأنّ اللجوء يُستتبع قانونيا وأخلاقيا بالعودة، وإنّما تدفع الصهيونية المنظمات الدولية إلى المساهمة في إنشاء الوطن البديل الذي يعني الفلسطيني باعتباره منتظِرا وليس لاجئا، فالمنتظِر وإن طال انتظاره لا يعمل على تحقيق هوية، لأنّ الانتظار مستوى من المستويات النّفسية التي تتطلب الحل بأسرع الطرق ولو مؤقتا، بينما اللجوء وضع قانوني، كرّسته الشرائع والعهود والمواثيق الدّولية، يتطلب “العودة” إلى الأرض وإعادة الأمر إلى وضعه الأصلي.
يعتبر الفلسطيني حالة منتظِرة في العرف الصهيوني، تتطلب النظر في وضعها لا باعتبارها الإنساني ولكن باعتبارها اللاوجودي الذي نشأ في فراغه الكيان الغاصب، أي اعتبار الفلسطيني ضمن الجماعة الاجتماعية للأرض التي بلا شعب، وعلى هذا الأساس الفنتازي أسّست الصهيونية واليهودية السياسية تشكلاتها الغاصبة للحق الفلسطيني عن طريق العصابات العادمة للعنصر البشري (الهاجانا، الأرجون..) والمصادرة للملكية والملغية للأثر التاريخي الدال على الوجودية القبلية للكنعانيين الأجداد والمدن العريقة على الجغرافيا “الفلستية”.
لماذا يسعى المحتل الصّهيوني إلى الدّعوة إلى الخضوع والاستسلام (التطبيع)؟
لقد ارتكب الصّهاينة المجازر العديدة منذ دير ياسين وإلى صبرا وشاتيلا وصولا إلى محو مخيم جنين عام 2002 لا لشيء سوى لتأكيد تاريخية الوجود القومي اليهودي الذي يتطلب محو الوجود التاريخي الفلسطيني، لكن هذه الخطوة لا تأتي من فراغ، إنّها تنبثق محمّلة بماض عانى منه اليهود من المحرقة اليهودية، ولهذا لا يستقيم في الوعي الإنساني أنّ بشرا أيّا كان تعرّض لظلم في لحظة ما، وفي لحظة أخرى يتقوّى فيها موقفه يتسلّح بنفس الأداة الجهنّية التي شرب من عنفيتها ليصبّها على بشر آخرين رأى بأنّهم لا يجب أن يكونوا لأنّ كينونتهم الوجودية تعتبر إلغاء لكينونته القومية، وبالتالي استحضر كل عناصر المحرقة وطبّقها بحذافيرها في بحثه المزعوم عن أرضه التي بلا شعب، وهذا لا يستقيم في الوعي الإنساني الذي ما فتئ يناصر ويساند القضية الفلسطينية لأنّها تسبب حرجا للوضع الديموقراطي الغربي القائم على الحرية والمساواة والإخاء.
إنّ التطبيع هو الحجر المفقود الذي يجعل من بريق الصهيونية مصدرا للإغراء باعتبارها مركزا يجمع إليه حتى أولئك الذين ينتمون إلى نفس دائرة الفلسطيني القومية والدينية واللغوية، وعليه تسقط كل ذريعة للفلسطيني في عدم القبول بالاستسلام غير المشروط، أي الخضوع، وتلك هي تسمية التطبيع الحقيقية.
إنّ الصّهيوينة تجرّ اليهودي إلى تغيير الأساس الديني لليهودية بالمظهر السياسي، ولهذا تصبح علمانية الدولة ليست ذات بال بالنسبة لمجموع المشروع الصّهيوني القائم على إثبات يهودية الأرض، ففي الأخير يجتمع الشق الديني والعلماني السياسي في بوتقة اليهودية الذرائعية، وسندها الأكيد هو “التطبيع”.
يختم اسحق دويتشر فصل “من هو اليهودي” في كتابه “اليهودي اللايهودي” بفكرة تلخص الأزمة التي يعانيها اليهودي بوصفه بوتقة للتيه، حيث يقول: “وأعتقد أنّه لا يمكن تبرير بحث اليهودي عن هويته إلا في حالة واحدة فقط ألا وهي حالة ما إذا كان ذلك البحث سيساعده في نضاله من أجل مستقبل أفضل للبشرية جمعاء”، وهو ما لا يفكر فيه اليهودي باعتباره علمانيا قوميا ومتديّنا يبحث عن الأرض التي بلا شعب، أي يروم إنهاك هوية ومحوها عن طريق القوة الغاشمة والترويج للأطروحات المضللة في التاريخ اليهودي القائم على الرّواية المتخيّلة الإحلالية التي كذّبتها حركة المؤرخون الجدد.
عبد الحفيظ بن جلولي. كاتب جزائري
المصدر :رأي اليوم
الآراء الواردة تعبر عن وجهة نظر الكاتب
الأيام. الصفحة الثقافية