28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | المذاهب الأدبيَّة والنقديَّة عند العرب والغربيِّين لشكري عيَّاد - إشكايَّة الاتِّباع/جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | المذاهب الأدبيَّة والنقديَّة عند العرب والغربيِّين لشكري عيَّاد - إشكايَّة الاتِّباع/جريدة الأيام الإلكترونية أ.د.عبد المجيد زراقط
نقدِّم ، في مجموعة مقالات ، سوف تنشر تباعاً ، قراءات ، في مجموعة كتب نقدية عربية ، تهدف إلى الإسهام في تقديم معرفة بالنقد الأدبي العربي الحديث، وترى أنَّ الطريقة الأكثر جدوى إلى تحقيق ذلك، تتمثَّل في مقاربة كتب/ نماذج من النقد مقاربة مباشرة، في غير اتجاه من اتجاهاته، ما يسهم في تقديم معرفة بهذه الكتب / نماذج الاتجاهات من نحوٍ أوَّل، وفي الخلوص إلى نتائج تضاف إلى ما تتوصَّل إليه دراسات أخرى في هذا المجال، من نحوٍ ثانٍ؛ الأمر الذي يوفِّر، إن تضافرت الجهود، معرفةً ملموسة بواقع هذا النَّقد وقضاياه ومشكلاته... تتيح التأسيس عليها والانطلاق إلى إنجاز مهمات أخرى، قد تكون إغناء هذا الواقع وتطويره صوب تأصيل نقد أدبي عربي حديث ينتج مناهجه في منحييها الرؤيوي والمفاهيمي ـ
( ١)
المذاهب الأدبيَّة والنقديَّة عند العرب والغربيِّين لشكري عيَّاد
إشكايَّة الاتِّباع
يبحث الأديب والناقد المصري د.شكري محمد عياد، في كتاب "عالم المعرفة"، موضوع "المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيِّين". قد نقول: إنَّ هذا الموضوع قديم، وإنَّ الكتب التي تبحث فيه، من حيث التاريخ وبيان الخصائص، تملأ رفوف المكتبات، وقد أمسى الكثير منها مدرسيّاً يُدرَّس في معاهد التعليم على المستويين الثانوي والجامعي.
الواقع أنَّ هذه الحقيقة لا تخفى على المؤلِّف، فنراه يقول، في مقدِّمة الكتاب: "ليس هذا أوَّل كتاب عن المذاهب الأدبية يُضاف إلى المكتبة العربية. فأقدم كتاب عن هذا الموضوع، هو "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب" لروحي الخالدي، يرجع تاريخه إلى ما يقرب من قرن، إذ ظهر في شكل كتاب سنة 1904، ونُشر فصولاً قبل ذلك، في مجلة "الهلال"، والنهج الذي سار عليه، من عقد المقارنات بين العرب والغربيين، هو الذي اتبعه كل من تلاه".
وإنْ يكن الأمر على هذا النَّحو، فما المسوِّغ إلى بحث هذا الموضوع من جديد، وإصداره في كتاب، في سلسلة "عالم المعرفة" واسعة الانتشار؟
وكأنَّ المؤلِّف أدرك، سلفاً، أنَّ هذا السؤال سيطرح، فقال مسوِّغاً الكتابة في هذا الموضوع: "لم يكن القصد من هذا الكتاب التعريف بالمذاهب الأدبية دون البحث في كيفية نشوئها وتطورها، ولا فهم تاريخها في تصارعها، أو تتابعها، دون التضلع في علاقتها بغيرها من جوانب الحياة والفكر". فالكتاب إذاً، كما يضيف، أدنى إلى أن يكون كتاباً فلسفياً منه إلى أن يعد كتاباً تعليمياً، فهو يفسِّر النشوء والتطور ويناقشهما في سياق الصيرورة التاريخية، فيكون مهموماً بالوجود والمصير، مستطلعاً ممكنات الحاضر والمستقبل. وقد فرضت طبيعة الكتاب هذه خطَّة بحث الموضوع، فلم يقسِّمه مؤلِّفه فصولاً، وإنما مقالات أربع، تناقش كل واحدة منها قضية، وهذه القضايا هي:
1 ـ في أنَّ مناقشاتنا، حول المذاهب الأدبية المعاصرة، تعكس موقفاً تاريخياً من ثقافة الغرب.
2 ـ في أنَّ اقتباس المذاهب الأدبية الغربية ملازم لاقتباس الأشكال الأدبية.
3 ـ في أنَّ المذاهب الأدبية تعكس خصوصية تاريخية للثقافة الغربية.
4 ـ في معنى المذاهب عند النقَّاد العرب القدماء، واختلاف مذاهب الشعراء.
ليس من شك في أنَّ مناقشة هذه القضايا، بمقدرة جادَّة خبيرة كالتي يمتلكها د.شكري عيَّاد، أمر شديد الأهمية، وخصوصاً إن كان همّ الوجود والمصير دافعه إلى ذلك، في هذه المرحلة من التاريخ التي لم تعرف البشرية مثلها على مدى تاريخنا المكتوب. ويكفي للدَّلالة على مستوى هذه المرحلة من الأهمية أن يكون أوَّل أسئلتها ما يأتي: هل نملك، في هذه المرحلة، أدباً يجسِّد همومنا ويتناولها، ويمثِّل من ثمَّ هُويتنا في خصوصيتها التاريخية؟ وهل يعرف هذا الأدب، ومن ثم نقده، مذاهب أدبية تمثِّل رؤى شاملة إلى العالم وإلى طبيعة الأدب ووظيفته وعملية إبداعه؟ واستطراداً، كيف ينشأ، عندنا، مثل ذلك الأدب ومثل هذا النَّقد؟ وكيف يتطور في السياق التاريخي الذي غدا سياقاً عالمياً يقتضي، في الوقت نفسه الذي يُنتج فيه الأدب المتَّصف بخصوصيَّته، التفاعل الحضاري وبلورة الخصوصية والهوية؟
إنَّ هذه الأسئلة تتعلَّق بوجودنا نفسه في هذا العالم المتغيِّر بوتيرة سريعة، من حيث طبيعة هذا الوجود ومستقبله.
يعي المؤلِّف هذه الحقيقة، ويلمس قارئ كتابه غزارة المعلومات وبراعة عرضها وتأملها، وجدِّية المؤلِّف في طرح القضايا ومناقشتها، لكنه ـ أي القارئ ـ يشعر بأنَّ السياق لا ينتهي دائماً إلى نتائج كلية. وفي بعض الأحيان، يتابع القارئ الكاتب بسرعة تكاد تصيبه باللهاث، ويصل معه إلى مزيد من الأسئلة، كأنَّ الكاتب يريد أن يكشف نشوء المذاهب وتطوُّرها عند الغربيين، واقتباسها عندنا، ويترك الإجابة عمَّا يتعلَّق بأسئلة مصير العالم ومصيرنا فيه إلى ما يتحصَّل لدى المتتبِّع من قناعات ورؤى تلي ما تمَّت إثارته وتقديمه.
من الطبيعي أن لا نستطيع تناول مختلف القضايا والمسائل التي يثيرها الكتاب، أو يناقشها، غير أنَّنا نجد من الضرورة بمكان التوقُّف لدى قضية ذات علاقة وطيدة بالسؤال الأساس الذي أشرنا إليه آنفاً، وهي قضية المذاهب الأدبية عند العرب، على امتداد تاريخ الأدب العربي، وصولاً إلى ما أطلق عليه مؤخَّراً مصطلح "الحداثة".
يقول المؤلِّف ـ وهو محقٌّ في ذلك ـ إنَّ المؤلِّفين العرب، حين تأثروا بالآداب الغربية، تشيَّع بعضهم لهذا المذهب أو ذاك من مذاهبها، وراح آخرون يبحثون في آداب العرب القديمة عما يضاهيه أو يشبهه.
1 ـ تكمن، في الشق الأول من هذا القول، وهو المتعلق بـ"التَّشيُّع الإبداعي لهذا المذهب أو ذاك"، أو "الاتباع الشكلي"، أزمة الإبداع في الأدب العربي المعاصر، إذ إنَّ أي مذهب أدبي أوروبي كان وليد سياق تاريخي له معطياته الخاصة على مختلف الصعد، ويعكس خصوصية تاريخية للثقافة الغربية... وقد نشأ عندما مكَّنت التجربة الحياتية المبدعين من إنشاء كتابات تجسِّد واقعها وترى إليه، ثم جاء النقد ليبلور مفهوم المذهب ويخطُّ طريقه، سواء تولَّى ذلك المبدع أم الدَّارس المؤرِّخ أم الاثنان معاً.
وهذا يعني أمرين: الأوَّل، وهو أن الإبداع الجديد، قبل أن تتبلور خصائصه في مذهب يُدرس ويُتَّبع، يكون حديثاً، أو حداثوياً. وفي تقديري أنَّ هذه الصفة هي أهم ما تتميَّز به الحداثة الإبداعية.
والأمر الثاني هو أن من يأتي ليحتذي تلك الكتابات التي تمَّت دراستها وبلورة خصائصها يكون اتباعياً، الأمر الذي يفيد أن أدباءنا الذين يفعلون ذلك اتباعيون، أياً تكن طبيعة الكتابات التي يحتذونها ومصدرها... وهم، بهذه الاتباعية، لا يمكن أن يبدعوا أدباً يجسِّد واقعهم ويكشف عن أسئلته، ومن ثم لا يمكن أن يبدعوا أدباً يمثِّل هويتنا ويحقِّق وجودنا في هذا العالم. وقد نستطرد فنقول: إنهم يبقون عاجزين عن إنتاج حداثة ومذاهب أدبية تمثِّل خصوصية تاريخية سوى خصوصية الاتباع التي قد تصل إلى فقد الذات المبدعة.
تبدو أزمة الإبداع لدينا واضحة المنشأ والطبيعة، إن أدركنا هذه الحقيقة، والخلاص منها يكمن، ليس في البحث عن الأشكال الموائمة في النِّتاج الوافد إلينا، وإنَّما في ترك التجربة الكيانية التي يدخل النتاج الوافد في تكوينها، تبدع أشكالها الخاصة الفريدة التي تجسِّد واقعها، وتفصح بفاعليتها الغنية عن رؤيتها إلى هذا العالم وأشيائه وقضاياه.
2 ـ وتكمن، في الشق الثاني من ذلك القول، وهو المتعلِّق بـ:الاتباع الدراسي"، إشكالية ثانية، تتمثَّل في أنَّ دارسي الأدب ومؤرِّخيه عندنا، لا ينفكّون يبحثون، منذ عرفوا المذاهب الأدبية والنقدية الأوروبية، عمَّا يضاهيها في أدبنا، وفي ظن بعضعم أنهم يخدمون الأدب العربي عندما يجدون فيه (في افتعال أحياناً) ما يضاهي الأدب الغربي. وفي ظن بعضهم الآخر أنَّ الأدب العربي يفتقر إلى الكثير من الأنواع الأدبية التي عرفها الأدب الغربي، فضلاً عن افتقاره إلى المذاهب... ويذهبون في الاعتذار أحياناً، وفي التفسير أحياناً، أخرى مذاهب شتَّى.
وفي تقديري أنَّ هذين النمطين من البحث يسيران في طريق غير صحيح، وذلك لأنَّ مركزية الأدب الغربي، في هذا العصر، لا تفرض أن يكون أدبنا، أو أدب أي شعب آخر، على شاكلته: طبيعة وأنواعاً ومذاهب... وذلك لأنَّ كل أدب نبت في سياق تاريخي مختلف عن الآخر، فمن الطبيعي أن يكون النتاج الإبداعي مختلفاً أيضاً، وإن كان من تأثُّر وتأثير وتشابه، فيدرس في باب الأدب المقارن، أما دراسة الأدب نفسه فتقتضي استخدام ما يلائمه من منهج وأدوات ومصطلحات. وقد أدرك د.عيَّاد، في مؤلَّفه، هذه الحقيقة، وبذل جهداً موفَّقاً في هذا السبيل، في مقالته الأخيرة الخاصة بالنقد العربي، عندما تحدَّث عن مذهب الأوائل ومنازع الشعراء، لكن إغراء المصطلحات الغربية جعله يقارن بين الكلاسية ومذهب الأوائل، ويلحظ شبهاً بينهما لا يصل فيه إلى حدِّ ما يذهب إليه نقَّاد آخرون عندما يتحدثون عن كلاسيَّة عربية تطلق على الشعر العربي القديم بكامله. وهذا غير صحيح، إذ إنَّنا لا نجد خصائص المذهب الكلاسي، كما عرفته الآداب الأوروبية، لدى أي شاعر قديم، وقد يكون مصطلح "مذهب الأوائل" أقرب إلى الصحة، غير أنه غير دقيق تمام الدقَّة، إذ إنَّ أولئك القدماء يتوزعون إلى أصحاب طرائق مختلفة تمام الاختلاف، من حيث القضايا الأساس التي تحدِّد الطريقة، أو المذهب، وهي الرؤية إلى العالم وأشيائه وقضاياه التي تتفرَّع منها رؤية إلى الإبداع الشعري ومفهوم الشعر ووظيفته، والتي تتجسَّد في نص شعري. ومن الأمثلة على ذلك الاختلاف نختار شاعرين ينتميان إلى عصر واحد هو العصر الجاهلي، وهذان الشاعران هما امرؤ القيس والنابغة الذبياني، وكلاهما من شعراء المعلقات. فالأول يصطفي شعره مما تخبره به الجن، متجاوزاً ـ إلى حد ما ـ نظرية شياطين الشعر السائدة آنذاك. والثاني، مثله مثل زهير من حيث تجويد الشعر، يصنع شعره صناعة، وهو يريد لشعره أن يكون صناعة تنطق بلسان ممدوحه، ولهذا يجوِّدها لتنتشر في البوادي، وليكتسب جوائز تجعله يأكل في صحاف الفضَّة والذَّهب. إنَّ العصر الجاهلي، لدى كثير من النقَّاد كمٌّ متشابه، وهو سوى ذلك تماماً، وخصوصاً بعدما عرف التكسُّب في أواخره، ونحن إذ نكتفي هنا بالإشارة الدالة، نرى أن البحث في هذا الميدان شيِّقٌ ومجدٍ. وحبَّذا لو انصرف إليه دارسو الأدب ومؤرِّخوه، شريطة ألاَّ يسقطوا إنتاج تاريخ أدبي في سياق تاريخ أدبي آخر.
* الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية