أمل ناصر - كربلاء بين التَّراجيديا وفلسفة العشق /جريدة الأيام الإلكترونية
إذن هناك علاقة وطيدة ومؤكَّد بين ذرف الدَّمع وفلسفة العشق في قصة عاشوراء، لها تجليَّاتها من طريقة تواتر الحدث تاريخيًّا، إذ لم يقترن اسم الإمام الحسين بالبكاء والحزن عبثًا، إنَّها فلسفة قائمة بحد ذاتها تلاقيها فلسفة أخرى هي فلسفة القوُّة والثَّبات.
فلسفة العشق تلك لا يمكن تجزيئها، هي بشكل تلقائيٍّ تخضع لسلطة أحاديَّة وكليَّة ترفض التَّشتُّت والسُّقوط في التَّناقضات، وتتكون كبوتقة ذاتيَّة كاملة تربط بين القوَّة، والحزن، والعشق بشكل غيبيٍّ يرفض حتَّى الخضوع لسلسة من التَّحليلات والتَّناقضات. إنَّها بشكل مطلق تجلِّي العاشق والمعشوق، كسلطة إلهية لا يعرفها إلَّا الَّذي تخطَّى الحجب وبانت له الكشوفات فتجاوز المحسوس إلى اللَّامحسوس.
هكذا تتشكَّل العلاقة بين التَّراجيديا بجزئيَّاتها الحزينة المترابطة فيما بينها والمتعلقة بالإمام القائد، والمقاتل الثَّابت المتمثِّل بالأصحاب، والمتفاني نفسه المرتبط بدلالات عبارة "أنحيا بعدك" وبعلاقة المرأة الَّتي لا تتواني لحظة عن إظهار البعد العاطفي في كلِّ لمساتها، والَّذي يتمثَّل بحالته القصوى بحضور السَّيدة زينب بعاطفتها، وثباتها وقوتها، تلك الغمرة الكونيَّة من كلِّ شيء بين المقاتل الشُّجاع والعبد المؤمن والمصلِّي، وحنان الطِّفل، تلفه حالة واحة وتحوطه هي الدمع المتأزِّر بالقوَّة، لا يمكن للدَّمع المنهمر من ضعف أن يخلَّد، لكنَّه ذاك الذي ينزل بقوة كسطوة سيف، وعظمة عبارة " تركت الخلق طرًا في هواك يبقى خالدًا بشكل أسطوريٍّ.
في أسطورة الخلق كما صورها أفلاطون يقول إنَّ الإنسان محكوم بالرَّغبات والميول، وهكذا تتكوَّن مأساته فيكون في توتُّر دائم، وفي انتمائه المتناقض بين المعرفة والرَّغبة يصاب دائما بالإحساس بالنَّقص، لكن في الفلسفة المتشكِّلة والمتجدِّدة بين التراجيديا والعشق، كانت الرَّغبة والمعرفة تتجهان نحو مصب واحد فقط، مسيَّرتان بالوعي الكلِّيِّ لحقيقة مطلقة أنَّ الإمام الواقف بينهم لا يمكن أن يساورهم الشكُّ حول يقينيَّة كلامه وصوابيَّته، إنَّها لذة المعرفة الخالصة والمنزَّهة عن كلِّ شائبة، بحيث لا يمكن أن تفقد قوَّتها يومًا لأنَّها ليست قائمة على البصيرة فقط، لكنَّها قائمة على العاطفة والمنطق والحدس، لذا هي نقية لا يمكن أن تتلوَّث.
أمل ناصر ناصر-كاتبة
- علامات:
- مجتمع
