28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

عبد المجيد زراقط.. تجلِّيات ثقافة الخوف شعراً - مديح المحترفين السياسي(4) / جريدة الأيام الإلكترونية

عبد المجيد زراقط.. تجلِّيات ثقافة الخوف شعراً - مديح المحترفين السياسي(4) / جريدة الأيام الإلكترونية عبد المجيد زراقط : *
تحدثنا ، في المقالات السابقة ، عن تجربة شعراء المديح السياسي الحياتية والشعرية ، ووضعناها في سياقها التاريخي ، ورأينا أنها أوصلت النقاد والشعراء الى وضع مقاييس الشعر الجيد . في هذه المقالة ، نتحدث عن هذه المقاييس .
مقاييس الشعر الجيد ، لدى نقاد الشعراء المحترفين
احترف معظم الشعراء ، في العصر الأموي، وبخاصة الكبار منهم، المديح السياسي، فكوَّنوا واقعاً شعرياً سائداً، استقى النقاد من نماذجه مقاييسهم للشعر الجيد، وهذا ما يمكن أن نبيّنه في الخبر الآتي :
جاء رجل إلى الراوية والناقد يونس، فقال له : من أشعر الثلاثة ؟ ويقصد الأخطل وجرير والفرزدق ، فقال : الأخطل؛ فسأله : عمَّن تروي هذا ؟ فأجابه : عن عيسى بن عمرو وابن اسحق وأبي عمرو بن العلاء وعنبسة الفيل وميمون الأقرن الذين ماشوا الكلام وطرَّقوه... ، فسأله : وبأيِّ شيءٍ فضَّلوه؟ قال : إنَّه كان أكثرهم عدد طوال جياد ، ليس فيها سقط ولا فحش، وأشدهم تهذيباً لشعره .
تتمثل مقاييس الشعر الجيد ، لدى مؤسِّسي علوم العربية وواضعي طرقها ، في مايأتي : ١- طول القصيدة الجيدة ، ٢- جودتها وتهذيبها، ٣- خلوِّها من السقط والفحش ٤- كثرة القصائد الجيدة ...
الشاعر المحترف كان يجوِّد شعره ويفخر بذلك؛ إذ إن صوغ المعاني وتوليدها وتجويدها هو ما بقي له مجالاً للتفرد فيه بعد أن فقد تجربته الذاتية الحياتية والشعرية ، المكوِّنة للوجد ، وهو الذي يملي اللغة الشعرية ، واذ فقد هذا الوجد ، ارتهن للاَخر ، وهو الذي يرد عليه ريشه ، ويجعله طائراً يغرد بمجده .
في التأثير، الإلغاء
ساد مديح المحترفين السياسي وهجاؤهم الحياة الشعرية ، فغدا الشاعر الآخر ، غير المحترف ، وغير المرتهن للسلطان ، في الهامش. وعلى سبيل المثال نذكر مايأتي : بقي عمر بن أبي ربيعة " يهذي " ، كما قال كثير من نقاد ذلك العصر ، إلى أن أنشد قصيدة : "أمن آل نعم أنت غاد فمبكر" التي يعارض فيها معلقة امرئ القيس . وبقي الشاعر حريث بن عناب ، كما يقول صاحب الأغاني ، " ليس بمذكور في الشعراء ، لأنه كان بدوياً مقلاً غير متصدٍّ بالشعر للناس ، لا في مدح ولا هجاء ، ولا يعدو في الشعر أمر ما يخصُّه". فالشاعر الكبير ، في نظر أبي الفرج ومعظم الرواة والنقاد، في ذلك العصر ، وفي عصور توالٍ ، هو من يمدح ويهجو، ويعدو في الشعر أمر ما يخصه، وقد كان لهذا الواقع اثر حاسم في تطور الشعر العربي.
وهكذا ، كما يبدو واضحاً ، كان للخوف من السلطان، وكما مرَّ بنا، دور أساسي في تكوُّن هذا الواقع الشعري النقدي الذي عرفته جميع عصور الشعر العربي القديم ، والذي حاول كثير من الشعراء والنقاد أن يخرجوا عليه، ويبدعوا الجديد ، ونجح كثير منهم في ذلك ، في كل عصر من عصور الأدب العربي ، وقد يتاح لنا أن نتحدث عن ذلك الخروج .
*الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. بيروت