جورج كلّاس | الروم الكاثوليك من مأزوميَّةِ الواقع الى مأزقيَّةِ الكيان/ جريدة الأيام الإلكترونية
الدور الوفاقي و الواجب التوفيقي للروم الكاثوليك على الساحة اللبنانية و في المدى العربي ، يحمل طابع التلاقيات الروحية و الحضارية التي طالما إنمازوا بها في علاقاتهم العيشية مع محيطهم الإسلامي بكل قيمه و روحانياته و نظمه الحياتية.
قد يكون السؤال الأكثر طرحا و إلحاحا في هذه الحال الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان و المنطقة هو ( سؤال الذاتية ) التي تطرحه كل جماعة أو طائفة على نفسها في محاولة لتلمس ركائز وجودها و كيفية تفاعلها مع الواقع المأزوم و تعاملها مع دقة الظرف المفروض و الطارئ. هذا المسار الشائك من مأزوميَّةِ الواقِع الى مأزقيّة الكيان ، يتطلب التعاطي الواقعي والعملاني الجريئ مع التحولات السياسية المستجدة والتغيرات الإقليمية الطارئة على الحالة اللبنانية العامة ، التي فرضت على الجماعات والطوائف اللبنانية واقعاً غريباً عنها و غيرَ مألوفٍ في سلوكيَّاتها في أخلاقيات التعاطي مع بعضها ، و تطلعاتها المشتركة لصياغة مستقبل أوضح و أَثبت تركيزا لبناء علاقة تعايشية محصنة مع المكونات المجتمعية التأسيسية للوطن ، تتطلب من الروم الكاثوليك ان يرجعوا الى ذاتيتهم ويصفنوا عميقاً ليتذكروا ما كانوا عليه ماضيا من تراثات روحية و وطنية وفكرية، و يفكروا بما هم عليه اليوم من وضعية حيادية وإنكفاء و إختباء ، و يتعظوا من دروس الزمن ، و يتبصروا بما قد يواجههم في قابل الأيام من تحديات مهددة لوجودهم الكياني ، قبل أن يأكلهم الزمن و ينساهم التاريخ و يكتشفوا فجأة أنهم اصبحوا على رصيف الوطن ، بعد أن كانوا قلبَ لبنان و من صخرات زوايا بنيانه .
السؤال الأصعب الذي يطرح الان و يلحُّ بقوة هو سؤال الذاتية الكيانية الباحثة عن نفسها في ضبابية الضياع ، لتسأل أَينَ نحن ؟ مشفوعة بسؤال المرجعية المُتلمِسّة لدورها و لتهجس مَنْ نحن ؟
بعيداً عن مثلث تبرير القصور ، كالإختباء وراء إتهام الآخرين ، و الإمعان بالتوبة والندم ، والتخوّف من الآتي ، من دون أن نَجرؤ ، ككنيسة و علمانيين ، من أن نطرح على أَنفُسِنا السؤال الوجودي الأكبر ، كيف نبادر ؟ أو كيف نرجع الى ذاتنا وكيف نحضر من جديد؟
و الأمر الذي يفرض نفسه بقوة في الوجدان العام للروم الملكيين الكاثوليك في لبنان اليوم ، هو ما يعانونه من ضمور مؤلم على صعيد حضورهم السياسي، و ضمور دورهم الوطني ، بفعل الوَهن اللَّاحق بالخيار السيادي ، الذي توافقت عليه المكونات اللبنانية الكيانية الاساسية ، التي سعت و ناضلت للوصول الى هذا الوطن-الصيغة ، على أساس الشراكة التعادلية بالحقوق والواجبات ، وليس النوم على حرير الوعود والتوجس الدائم من الإنقلابات الخنجَرية ، التي طالما إحتملنا كلومها ، حرصاً على التوافقية الظالمة للأقليات و التي أَنتجت فرقاء أَقوياءَ يتحصّنون بمنطق الأكثرية مرَّةً و بالقوَّةِ العددية حينًا و حجَّةِ الظروف القاهرة كلَّ وقت ، و التي أفرزت أقليات ، خيار بعضها حرّ و ثان متحرر و الثالث إستراتيجية تحركه تكون غب الطلب . إن ما يقلق بالَ الروم الكاثوليك أكثر اليوم ، وهم من بين أَكثرِ الطوائف توزعا في الديموغرافيا اللبنانية ، هو خطر الانكفاء الطوعي و التهميش القَسري لدورهم الريادي والتوفيقي ، الذي إنمَازوا به منذ نشوء فكرة الدولة اللبنانية و إنشاء كيانها ، بعد أَنْ إكتشفوا انهم دفعوا وحدهم كلفة إنتشارهم الحضاري و وِجودِهم التفاعلي البنَّاء مع كل المكونات و الجماعات اللبنانية ، و عاشوا الخَيبَة ، انطلاقا من انهم ليسوا طائفة جغرافية تمتلك مساحة أَرضية مغلقة تنطبِع بخصوصياتها ، بخلاف جماعات و مذاهب أخرى ، ذات ثقل حضوري و وازن مناطقيا و عدديا ، مع التأكيد أن عدم إمتلاك حيثيّة جغرافية لا تقلل من دورهم ، ولا تحد من إنخراطهم التصميمي والطوعي والإرادي في تعزيز كيان تتكامل فيه الطوائف لتشكل وحدة وطنية ، لا أَنْ تتعايش فيه مرحليا بإنتظار سنوح الفرص للإنقضاض و الإستضعاف والإستتباع والأخذ غيلة.
من حق لبنان على الروم الكاثوليك، أَنْ يسألوا بجرأَة الخائف على التركيبة التوافقية التي صيغت دستورا فريدا ، أَين نحن ،في لبنان ؟ و أَيْنَنا من لبنان ؟و أبن لبنان منا ؟
وإذ من السهل والصعب والواجب المُلَّح ان نصارح و نكاشف ، فإنه علينا أَنْ نعترف و نجيب بجرأة الواثق : انه في الماضي ، كان لنا حضور فاعل ، أيَّام كان لبنان قلعة تبنى بمداميك صوانية ، تُرصف صخورها بالتضحيات والفكر والثقافة والأدب والوطنيَّات والدبلوماسية الذكية والجريئة . أَمََا في زمن الإِفساد و تنظيم الفسادات و شيوع التحاصصات و التراشق بالتهم و صناعة الحمايات و ترسيم المحمِيات ، فقد أَمسَيْنا في وضعية تقلّص سياسي واضح و ضمور تفاعلي فاضح للمسار وكاشف للغير .
ولعل المأزومية الحادة التي نعاني إرهاصاتها اليوم ، في هذا الظرف الدقيق والمليئ بالأزمات التي يقاسيها لبنان ، سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا ، تتلازم بقوة مع إكتشافنا فجأة أن دورنا الوفاقي والتوفيقي ، الذي تغنينا به و فاخرنا بإنجازاته ، مهدّد الوجود بفعل التمايزات الفردية التي إرتضتها كل جماعة لنفسها ، وإنشغلت ببناء إستراتيجيتها المستقبلية الخاصة ، معتبرة ان ما تحققه من نقاط ، يخولها ان تبني لها إمتيازات حصرية ، من دون أي إعتبار لمفاهيم الشراكة الوطنية ،و نهائية الولاء ، وصراحة الإلتزام ، والتأكيد على الدور المحوري للبنان ، بصيغته ورسالته ومعنى حضوره .
ما نتحرّق عليه و نحترق منه ، أننا صدَّقنا أنفسنا كثيرا عندما كنا نُكابر أننا من الطوائف الكيانية المؤسسة للبنان والمكوّنة لنوعيته ، معتبرين أن كل ما لنا هو لنا ولغيرنا ، لنتفاجأ في غفلة زمنية أننا منسيون أَوْ مستضعفون أَوْ مهمشون ، لأننا نفتقد الى جغرافية حضورية ضمن الخارطة اللبنانية، و لأنه لم يكن لدينا ذراع عسكري نستقوي به ولا حزب سياسي نتكل عليه . و هذه حقيقة جريئة تشغل بال كثيرين من ابناء الطائفة المألومين من الواقع الأسود الضاغط على الوضع العام في لبنان اليوم.
معروف عَنّا نحن الروم كاثوليك في سياق التوصيف الملازم لسلوكياتنا أننا طائفة وفاقية و توفيقية و نعيش الأزمات ونتكيّف معها ، لكننا لا نتعايش مع مفاعيلها ، لا لقصور في الرؤية و لا لنضب في التفكير ، بل لإيماننا الصلب بقدرة الدولة على إنصاف كل ابنائها و إقامة العدل بينهم ، على قاعدة عدالة التشارك ، وبعيدا عن الإستضعاف والإلغائية و الإستتباع. إن علاقة الروم الكاثوليك بلبنان ، هي في صلب ثوابتهم و صلب قرارهم و خيارهم وفكرهم ، ولن تزيحهم عن ذلك أحداث ولن تهمشهم طوارئ الأيام
فالمأزومية التي تؤلمنا بمواضع و أوجاع كثيرة ، لا تعفينا أبدًا من الإعلان جهراً اننا نعيش مأزقية وجودية ، تمتد من السياسة الى المرجعية الى إستعادة الموقع و ريادة الدور .
وبين ثنائية المأزومية و المأزقية ، تكثر أمامنا التحديات الوجودية ، وأبرزها ، السؤال كيف علينا ان نتحضر لننطلق من جديد ؟
و هل ننجح بالانتقال من وضعية الوفاقية الإلغائية ، الى إستعادة الريادة وتحصين خصوصية الحرية ؟ و كيف نؤسس لمستقبل تشاركي ، ركيزته الأولى أَنْ نبني ذاتية كاثوليكية نوعية تتكامل مع الذاتيات اللبنانية كلها ، من حيث أننا لا نرضى ان نكون ضيوف شرف في أرضنا ، ولا كمالة عدد على لوائح شطب الوطن و لا ضيوفاً على رصيف الوطن.
إن الكلام عن أزمة الواقع الذي يترك ندوبه على فاعلية وجود الطائفة و يحد من دورها الوطني، يضغط بكل وجوهه على مجالات تحركها و ساحات تفاعلهاو تلاقيها مع المكوِّنات المجتمعية الأخرى . غير أن الأمر الأكثر إلحاحا في هذه الظروف الدقيقة من حياة الوطن ، هو كيفية بناء الجهوزية اللازمة للخروج من وضعية المأزقية للعودة الى التألقية ، وإستعادة الريادة ؟ وهذه من التحديات الملقاة على أكتاف وعقول الروم الملكيين الكاثوليك في لبنان ، بكل مرجعياتهم الروحية و مَسؤولياتهم الوطنية و توزعاتهم السياسية و ثوابتهم الفكرية وتراثاتهم الادبية وابداعاتهم الفنية ونشاطهم المدني وتاريخهم الوطني و تفاعلهم السياسي و فعلهم الحواري والتلاقوي بين الثقافات والحضارات والاديان.
وهذا ما نطمح لوضع ترسيمة إستراتيجية واضحة لتحقيقه ، من خلال الدعوة الى عقد جلسات تفكير هادئة تستعيد كيانيتنا الحرة ، و تطرح الهموم والإنشغالات والمخاطر الوجودية و تضع مسارا دقيقاً للخروج من الازمة العابرة التي نعيشها كمجتمع لبناني متكامل ، توصلا الى تركيز قواعد ثابتة تحافظ على خصوصياتنا و تؤكد تشاركيتنا الكيانية ، كعنصر مكوّن للبنان الغد الذي نطمح ان يكون على قدر حبنا للبنان..!
الروم الكاثوليك جماعة لا تستغِل و لا تُستغَل ، لكن علينا أن نبادرَ و نستعيد موقعنا على الخارطة السياسية و السيادية ، لنبقى علامة وفاق و رسل توفيق .
نحن مِلح يملِّحُ و لا يذوب ..!
وزير الشباب والرياضة جورج كلّاس.
المقال نشرته جريدة الجمهورية وصفحة الوزير كلّاس فيسبوك
- علامات:
- مجتمع
