مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. في المصطلح النقدي وبعض قضاياه/ جريدة الأيام الإلكترونية
في النقد الأدبي العربي ، كثيرة . نتحدَّث ، في هذه المقالة القصيرة ، عن بعض منها ، محاولين الاجابة عن بعض الأسئلة التي تثيرها مقاربة هذا الموضوع .
في المفهوم
المصطلح هو وحدة لغوية ذات مرجع لغوي ، أي معنى معجمي ، تفارقه الى أداء معنى يتفق أهل اختصاص ما على اطلاقه على اختراع / استنباط ما ، في هذا الاختصاص ، لعلاقة ما بين المعنى المعجمي والمعنى المتفق عليه / الاصطلاحي . وهذه الوحدة اللغوية تكون مستقلة ، بمعناها المتفق / المصطلح عليه عن المرسل والمرسل اليه والسياق . وكل مصطلح ينتظم في نظام مصطلحي لاختصاص ما ، ودلالته محدَّدة بدقة ووضوح . ليس من علمٍ من دون منظومة مصطلحات ، فالمصطلح أداة تفكير وتحليل يركز معلومات كثيرة / مفهوم في وحدة لغوية .
من يضع المصطلح ؟
يُطلق المصطلح على اختراعٍ ما ، ما يعني الارتباط بين الاختراع وتسميته ، فمن يخترع يُسمِّي . وفي نظريات النقد الأدبي ومناهجه ، من يضع هذه النظريات والمناهج هو الذي يضع مصطلحاتها ومفاهيمها ويسمِّيها ، وهو ، الاَن ، المنتج الغربي ، بمختلف مكوِّناته .
اللغة العربية ومشكلات المصطلح
من هنا تبدأ مشكلات المصطلح في النقد الأدبي العربي . يعيد بعض الباحثين ، في هذا الشأن ، هذه المشكلات الى عجز اللغة العربية عن تلبية حاجات المتكلمين بها . لكن العودة الى التاريخ تفيد أن اللغة العربية غير عاجزة عن تلبية هذه الحاجات ، ويمكن أن نقدم وقائع تاريخية تؤكد ذلك . في زمن ازدهار الحضارة العربية ، كان العرب مبدعين ، ومخترعين ، وكانوا يسمُّون مايخترعونه ، ويضعون مؤلفات في هذا الشأن . من الأمثلة الدالة على ذلك ، نذكر: أبو يعقوب بن اسحق الكندي ( ت. ٢٥٨ هج ) وضع مؤلفه في " حدود الأشياء ورسومها " ، المتضمن ثمانية وتسعين مصطلحاً فلسفياً . أبو نصر الفارابي ( ت.٣٣٩ هج ) وضع مؤلفه : " الألفاظ المستعملة في المنطق " . أبو ريحان البيروني ( ٩٧٣ – ١٠٤٨ م. ) وضع مؤلفاته في علم الفلك والرياضيات والجغرافيا . ابن البيطار ( ١١٩٧ – ١٢٤٨ م. ) تحدث، في كتابه ، في علم النباتات ، عن ألف وأربعمئة نبات طبي ، مع ذكر أسمائها وطرق استعمالها ... ، وهؤلاء جميعهم استخدموا اللغة العربية التي كانت لغة عالمية تلبي حاجات الحضارة الانسانية جميعها في ذلك الزمن .
أين تتمثل المشكلات اذاً ؟
نشأة غير طبيعية
في الاجابة عن هذا السؤال ، يمكن القول : نشأت حركة المصطلح النقدي العربي ، منذ ماسُمِّي بعصر النهضة ، نشأة غير طبيعية ؛ ذلك أنها لم تنشأ في حركة تسمية تلبِّي حاجات الاستنباط في النقد الأدبي العربي ، أي حاجات نظرية نقد أدبي عربية ، مواكبة لظاهرة أدبية عربية ابداعية ، وانما نشأت في حركة ذات اتجاهين : أولهما الافادة من المصطلحات التراثية ، وثانيهما نقل مصطلحات جاهزة وضعها المنظر الغربي في حركة تطور أدبي – نقدي غربي ، وهي حركة تاريخية لاتنفك عن التطور والاتيان بجديد ، في كل مرحلة من مراحلها ، وقد عرفت ظواهر أدبية ونقدية كثيرة ومتنوعة . ولم تلبث حركة المصطلح النقدي العربي أن عرفت ظاهرتين اساسيتين : أولاهما قطع الاتصال بالنقد الأدبي العربي التراثي الذي توقفت حركته عن الانتاج ، وان استُخدمت بعض مصطلحاته ، فكانت تُستخدم بمفهوم مغاير لمفهومها التراثي ، ومن نماذج ذلك ، استخدام مصطلح الشعر العمودي ، فهو يعني لدى الكثيرين ، الشعر المتبع نظام الشطرين ، لأنه يُكتب في شكل عمودي ، وهذا غير صحيح ، فالشعر العمودي ، هو الشعر الذي يُنسب الى عمود الشعر ، وهذا العمود يعني كما بلور مفهومه المرزوقي في مقدمة شرحه لحماسة أبي تمام : شرف المعنى واستقامته ، وجزالة اللفظ وحلاوته ، واصابة التشبيه ، وقرب المستعار له من المستعار منه... ، واستنادا الى هذا المفهوم لم يعدّ كثير من النقاد القدامى شعر الكميت بن زيد وأبي تمام شعراً عمودياً .
وثانيتهما النقل من منظومات المصطلحات النقدية الغربية انتقائيا من دون تمييز بين هذه المنظومات . وقد واجهت حركة النقل هذه مشكلات كثيرة منذ بداياتها ، ولا تزال هذه المشكلات مستمرة حتى الاَن . من هذه المشكلات :
اسقاط المصطلحات النقدية الغربية على ظواهر أدبية عربية ، من دون أن تكون مفاهيمها دالة على هذه الظواهر ، ومن نماذج ذلك تسمية الشعر الموزون المقفى " الشعر الكلاسيكي " ، والبحث عن الحداثة في شعر جرير ، والتحدث عن الوجودية في شعرطرفة بن العبد ، فيكون شعره ، في منظور هذا الاسقاط ، كلاسيكياً وجودياً ، والتحدث عن الرومانسية في شعر ابن الرومي ، فيكون شعره ، من هذا المنظور نفسه ، رومانسياً كلاسيكياً ، والبحث عن جوهر الشعر باعتماد معايير مستقاة من شعر بودلير ورامبو ...، وتسمية السير الشعبية العربية ملاحم ... . واضح أن هذا الاسقاط لايدرك الفروقات بين أنواع الأدب العربي وأنواع الأدب الغربي وخصائص كل منها، وتاريخية كل منهما .
نقل المصطلح الغربي بلفظه الى العربية . وقد سخر الياس أبو شبكة من " هوس " بعض النقاد الذين يفعلون ذلك ، فيرطنون ب " رياليسم ، كوبيسم ، الأمبيرسنيم ... " .
النقل الانتقائي ، من دون تمييز ، ومن دون ضبط وتوحيد ، في غياب مشروع قومي ما أدى الى أن تغدو " اللغة المصطلحية " أقرب، كما يقول علي شلش " الى " بابل القديمة " ( راجع للمزيد : مجلة الأزمنة ، ٩/ ٣٨ و ٣٩ ) . ويمكن أن نقدم نماذج تدل على ذلك : هذه طائفة من المصطلحات المستخدمة في النقد الأدبي العربي ذات المفهوم الواحد : الانزياح ، العدول ، التجاوز ، الانحراف ، الاختلال ، الاطاحة ، المخالفة ، الشناعة ، الانتهاك ، خرق السنن ، اللحن ، العصيان ، التحريف ... . ولهذا المفهوم مصطلح تراثي ، وهو المجاز ، ويعني جواز التعبير الى طرق تجري على أنساق غير النسق العام . وهذه أسماء منهج من مناهج النقد الأدبي المستخدمة في النقد الأدبي العربي : السيميولوجيا ، السيميوطيقا ، السيميوتيك ، علم الاشارات ، الاشاراتبة ، علم العلامات ، العلاماتية ، علم الأدلة ، السيميائية ، السيميائيات ... .
مشكلات أخرى يمكن تركيزها ، كما مايأتي :
٤- ١ . المشكلة الأساس هي مشكلة الاستهلاك ، وعدم الانتاج ، والنقل عن المنتج الغربي انتقائياً .
٤-٢. تقدُّم علمي مطرد وسريع في المصدر المنقول عنه ، وهو النقد الأدبي الغربي ، الذي يُنقل المصطلح منه الى النقد الأدبي العربي . ٤-٣. تعدُّد النظريات الأدبية الغربية ومناهج نقدها ، ولكلِّ نظرية مسارها التاريخي ومنظومة مصطلحاتها .
٤- ٤ . تعدُّد ناقلي المصطلح وواضعيه ، في الوطن العربي ، واختلاف ثقافاتهم ومصادرهم ... .
٤- ٥ . الانقطاع القائم في مابينهم ، وعمل كل منهم منفرداً ، على مستويي التزامن والتطور .
٤- ٦ . اعتداد كل منهم ، في الغالب ، بشخصه ومعرفته ، واعتقاده بأنه أحقُّ بأن يُتَّبع .
٤- ٧ . فقد منظومة مصطلحات موحدة لكلِّ منهج من مناهج النقد ، ولكلِّ نوع من أنواع الأدب .
٤- ٨ . اختلاف طرائق اجراء عمليات وضع المصطلح واَلياتها . ٤- ٩ . تأثير النزعات القطرية والايديولوجية .
٤- ١٠ . غياب هيئة عربية علمية جامعة ، قادرة على اتخاذ القرارات الملزمة وتنفيذها .
٤- ١١ . اختلاف أنواع الأدب العربي ومساره التاريخي عن أنواع الأدب الغربي ومساره التاريخي .
٤- ١٢. الترجمة ومشكلاتها .
... اقتراحات حلول
ان تكن المشكلة الأساس مشكلة استهلاك ، فالحل يتمثل في الانتاج ، والصدور ، في عملية النقد الأدبي ، عن النص الابداعي العربي ، والسعي الى وضع نظريات أدبية عربية تمليها تجربة أدبية نقدية ، تكونها الحياة التي يصدر النص الأدبي عنها ، والمكونان التراثي والحضاري الانساني . أما النقل فينبغي ، كما يقول عبد الله العلايلي " أن يُنقل المصطلح على مقتضى نطق الحروف العربية البحتة ، وأن يراعى في المنقول ، وزن عربي محفوظ لايزيد على سبعة أحرف ، فاذا زاد أُنقص بشكل لايخل بالعلم " . وينبغي أن يصدر هذا النقل عن مؤسسات علمية لغوية ، أي مجامع علمية لغوية ، تعقد مؤتمرات سنوية تنظر في ماصدر من مصطلحات ، وتعمل على توحيدها ، وتنشئ مصرفاً لمصطلحات الأدب العربي ونقده ، يعود اليه كل باحث ، ويستخدم مصطلحاته ، ولا يعني هذا الغاء الاجتهاد الفردي ، وانما يعني توظيف هذا الاجتهاد في خدمة المشروع القومي العام والشامل المستخدم مختلف طرائق صنع المصطلح ، من وضع وترجمة وتعريب . هذا ان تم يكون نوعاً من الانتاج الذي نفتقر اليه في كثير من مجالات حياتنا ، فالمهم أن نكون منتجين ، لنكون ذوي وجود فاعل في هذا العالم الذي لامكان فيه الا للمنتجين الفاعلين .
الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- مجتمع
