28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. في نقد ما بعد البنيويَّة/ جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. في نقد ما بعد البنيويَّة/ جريدة الأيام الإلكترونية المقالة التاسعة من "النقد الأدبي البنيوي وما بعده"
أ. د. عبد المجيد زراقط *:
وُجِّهت انتقادات كثيرة لـ "ما بعد البنيويَّة". ويبدو أنَّ هذه الانتقادات تركَّزت على "التفكيكية". في ما يأتي نماذج من الآراء التي صوَّبت نقدها على هذه الحركة.
في نقد "التفكيكيَّة"، يرى الرُّويلي والبازعي أنَّه، على الرُّغم من فاعليَّة هذه النظرية في "زعزعة المسلَّمات التقليدية الميتافيزيقيَّة الغربيَّة"، إلاَّ أنَّها تصل، في النِّهاية، إلى "عماية" محيِّرة؛ إذ إنَّها لم تقدِّم بديلاً لما تقوِّضه، لأن البديل سيتَّصف بصفات الميتافيزيقيا لا محالة.
وأشار كثير من النقَّاد والفلاسفة إلى أن هذه النَّظريَّة تدين، بمنهجَّيتها ومسلَّماتها، لممارسات التفسير التوراتي اليهودي وأساليبه، وإلى أنَّ كلَّ ما فعله "دريدا" هو نقل الممارسات التأويلية للنصوص المقدَّسة اليهوديَّة وتطبيقها على الخطاب الفلسفي، وبذلك فإنَّه إذ ينقد طلاسم ميتافيزيقية يرسي دعائم طلاسم ما ورائيَّة لاهوتيَّة مألوفة.
ودريدا، في اعتماده، على مفهوم اللوغوس المسيحي، كما طوَّره آباء الكنيسة، لينقض أسسه، ويبيِّن تهافته، قد سار على طريق فهم فكر اليهوديَّة له، فهذا الفكر لا ينتقل من المحسوس إلى المدلول المتعالي المثالي، وإنَّما من المحسوس إلى النَّص. وهذا هو مسار "دريدا" أيضاً. وهذا الانتقال هو حركة من الأنطولوجي إلى النَّحوي، من الكينونة الوجوديَّة إلى النَّص. من هنا جاء اهتمامه بالكتابة، خصوصاً أنَّها لا تعتمد على "لوغوس" يمنحها وجوداً، وإنَّما تقوم على الاختلاف فقط. والاختلاف ليس له وجود مادِّي، بل يفرز كلَّ ماديَّة وجوديَّة. من هنا سعى إلى تقويض/تفكيك "المدلول المتعالي المثالي" واستبعاده، ليرسي أهمِّية الاختلاف".
يقول النَّاقد فنسنت ليتش: "العالم ينبثق، في التفكيك، كنصٍّ لا نهائي، فكل شيء يتحوَّل إلى نصِّي. وعوضاً عن الأدب تصبح لدينا النصِّية، وعوضاً عن الذَّات يصبح لدينا التَّناصص، بحيث يموت المؤلِّفون ليحيا القرَّاء، وتصبح كلُّ الذَّوات، ذوات النَّقاد والشعراء والقرَّاء، بناءات لغوية". ويرى "بورديو"، وهو "أبو علم الاجتماع المعاصر في فرنسا، أن "دريدا" فصل نسقه الفلسفي عن العلوم الإنسانيَّة، وعن المؤسَّسات المجتمعيَّة. واتهمه بالمثاليَّة والهروب من الواقع الاجتماعي، وبالنَّخبويَّة والتشكيك المفضي إلى زعزعة كل يقين والغموض والتركيز على الكتابة وإلغاء أشكال التواصل الأخرى، ورأى أنَّه يعيد إنتاج الفلسفة المثاليَّة "الكانتيَّة"، بطريقة غير مباشرة.
ويقتضي "التفكيك" وجود قارئ نخبوي يجيد التقويض واستحضار النُّصوص المتداخلة، واستدعاء الغياب وتقويل الصَّمت، كما يقتضي أن يكون النَّص يتصف بصفات تتيح تحرير المدلولات وانتشارها ولا نهائية قراءاته، إضافة إلى تعدُّد الأصوات فيه وحوارها، ما يعني أنَّه نظريَّة لقارئ ونصٍّ مختلفين. يمثِّل عمل "أدوراد سعيد" (1935 – 2003) "النَّقد التطبيقي"، بصيغته الجديدة القويَّة المضادَّة، صوتاً مشكِّكاً داخل النظريَّة الأدبيَّة، فهو يرى أنَّ النقَّاد، عندما يسلِّمون بأنَّ "الأدبيَّة" و"الجمالي" هي أشياء يمكن عزلها وتعريضها للتَّنظير الشَّكلي، يعملون على "تهميش الأدب وتهميش أنفسهم"، ويسهمون، "بوعي أو من دون وعي منهم، في خدمة أهداف سلطة الطبقة الحاكمة". وقد ميَّز "أدوارد سعيد" بين نوع وآخر من "التفكيكيَّة، فقال: "إنَّ كلَّ شيء، نعمل على نزع السِّحر والغموض عنه؛ حيث نعمل على إزالة الغشاوة الايديولوجية، ونكشف عن بعض التورُّطات والتواطؤات، هو نوع من التفكيك، فأنا أؤيِّد ذلك". لكنَّه يرى أن هناك نوعاً آخر من التفكيك يدعوه "تفكيكاً متصلِّباً أو نظريَّاً"، وهو الذي يدعو إلى نوع من التَّطهُّر. ويعتقد بأنَّ "دريدا" ليس مسؤولاً عن هذا النَّوع، لأنه "رجل بارع وواسع الحيلة وإنّ عدداً من حوارييه يجادلون بهذه الطَّريقة". ويقدِّم مثالاً عن ذلك مفاده أن أحد حواريِّي "دريدا" جاء يقول له، بعد أن ألقى محاضرته: "لقد ارتكبت خطأ، فأنت لا تستطيع استعمال كلمة الواقع عندما تتحدَّث عن دريدا". ويظن أنَّه "ككاتب مقالة أفضل منه بكثير كفيلسوف له منهجه المنظَّم. إنَّ كتابته عابثة بصورة أعتقد بأنَّها رائعة ومثيرة للإعجاب"
* عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية