مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين |نقد وسائل التواصل / جريدة الأيام الإلكترونية
وسائل التواصل ، من " فيس " و" وتس " وسواهما ، وأقصد " الفايسبوك " و" الوتس أب " ؛ وقد صغتهما على وزن من أوزان اللغة العربية : " فعل " ، كما جاء في قرار مجمع اللغة العربية في دمشق ، ليعرَّبا ، ويصح استخدامهما بوصفهما كلمتين عربيتين ، أتاحت هذه الوسائل لكل من يعرف القراءة والكتابة أن يكتب وينشر ، بحرية ، ومن دون مقيِّم أو مقوِّم أو رقيب .
هذا أمر جيِّد ؛ اذ ان الفرص صارت متاحة لكل صاحب موهبة أن يكتب وينشر كتابته ويوصلها للقراء من دون معوِّقات ، وأن يتلقى تعليقات هؤلاء ونقدهم ، لكن هذا جعل مايُنشر على هذه الوسائل خليطاً من الممتاز والجيد والحسن والرديء والرديء جداً ... .
صار الوضع شبيهاً بحالنا عندما نفتح نوافذنا ، ليدخل الهواء ، وهذا أمر لاغنى عنه ، لكن النوافذ المفتوحة على سعتها ، وهي تسمح للهواء بأن يدخل ، تسمح بأن تدخل معه شوائب متنوعة وكثيرة ، ولهذا نلجأ الى وضع شريط ينقِّي الهواء الداخل الى غرفنا من الشوائب ، والشريط ،في حال هذا " الطوفان " من الكتابات ، هو النقد الأدبي ، والسؤال الذي يُطرح هنا هو : ماهي حال الأدب ونقده اللذين ينشران على وسائل التواصل ؟
الملاحظ ، في رؤية عامة ، أنَّ كل من يكتب مجموعة نصوص ، جيدة أو رديئة ، صار يُسمَّى شاعراً /ة ، أو قاصاً /ة كبيراً / ة ، ولا يقبل النقد الموضوعي ، ويطيب له النقد المجامل ، أو المبجِّل ، ماجعل الثقافة السائدة ثقافة مجاملة وتبجيل .
في الحيِّز القصير المتاح لهذه المقالة ، يمكن تقديم بعض الأمثلة المنقولة من بعض صفحات " الفيس " و" الوتس " .
المثل الأول من " الفيس " . قرأت لأحدهم منشوراً على صفحته : " أعود وأكرِّر :
كنا بحاجة الى نقَّاد للأدب ... صرنا بحاجة الى أدب للنقاد " .
كثرت الاعجابات بهذا المنشور، والتعليقات عليه ، ومن هذه التعليقات : " هههههه ، معك حق " . " أحسنت . أحسنت . أحسنت " . " عنجد ، هيدا الحكي الصح " . " من لب الحقيقة " . " في الصميم "... .
وقرأت للكاتب نفسه منشوراً اَخر هو نص أدبي، كثرت الاعجابات به والتعليقات عليه كذلك ، ومن هذه التعليقات : " جميل ... موجع " . " ألله ... رائع " . " ابدااع " . " ألله ، ماأروعك " ... المنشور الأول تلفت فيه ، من نحو أول ، اللعبة اللغوية ، أو المفارقة اللغوية الجميلة ، ومن نحوثان بيان واقع النقد والأدب ، وهو واقع فَقْد لكليهما . لكن المنشور الثاني ، وهو نصٌّ أدبي ، يثير السؤال : هل هذا النص هو من الأدب ؟ وهل هو من الأدب المفقود ؟ يبدو أن الكاتب أراد " القلَّة " ، وليس الفقد .
واللافت هو كثرة الاعجابات والتعليقات " المبجِّلة " لكلا المنشورين ، مايثير أسئلة ، منها : هل هؤلاء المعجبون والمعلقون مقتنعون بما يقرره المنشور الأول ؟ وهل هم يعدون المنشور الثاني أدباً رائعاً حقيقةً ؟ وان كانت الاجابة عن هذا السؤال بالإيجاب ، فهل هذا يفيد أن الأدب الرائع موجود ، وليس مفقوداً ؟
المثل الثاني من " الوتس " . قرأت نصَّاً لأحدهم على صفحات عدة مجموعات ، ثم قرأت تعليقات متفرقة عليه ، منها :
" قصة غير عادية ماهت الوطني بالإنساني
كل ذلك بجمالية أدبية رائعة تصنِّف ( كاتب النص ) قاصاً كبيراً لعله القامة الأعلى وسط القصاصين العرب
تحياتي " .
يلاحظ خلو هذه الكتابة من علامات الترقيم ، ولعل هذا يعود الى الحماسة الزائدة في كتابة هذا المنشور ، ونشره ،وهذه الحماسة سنلاحظها بعد قليل .
- "هذا النص لا أظن أنه قصة ، هو مزيج من الخبر والمعرفة المباشرة " .
– " هذا النص خبر يتضمن معلومات وخطاباً حماسياَ مباشراً " .
– " هو خليط من السرد الخبري والمعلومات البيئية ، والتعليقات الحماسية المباشرة " .
يبدو الاختلاف واضحاً بين التعليق الأول والتعليقات الأخرى ، اذ انه صنَّف النص " قصة غير عادية " ، ولم يظن الثاني أنه قصة ، وصنفه الثالث خبراً ، و صنفه الرابع خليطاً من عدة أنواع كتابية .
تتفق التعليقات الثلاثة على أن النص ليس قصة ، فكيف حكم الأول بأنه قصة غير عادية ؟ هل يعني هذا الحكم ب " غير عادية " نوعاً من القص مختلفاً عن أنواع القص الأخرى ،
لكن كيف يتصف هذا النوع من القص ، المتشكل من سرد خبري ومعرفة مباشرة وخطاب حماسي ، بجمالية أدبية تصنِّف كاتبه قاصاً كبيراً، " لعله القامة الأعلى بين القصاصين العرب " ، ونحن نعلم أن بين القصاصين العرب ، على سبيل المثال ، نجيب محفوظ ، الحائز على جائزة نوبل للاَداب ، و محمود تيمور ويحيى حقي ويوسف ادريس وزكريا تامر ويوسف حبشي الأشقر وفؤاد كنعان !؟
هذا حكم انطباعي حماسي مبالغ فيه كثيراً ، يشبه ، من حيث الحماسة للنص ، الأحكام الانطباعية التي كانت تصف شاعراً ما بأنه أشعر الشعراء ، وقصيدة ما بأنها " العصماء ، المعلقة في جبين الدهر " ، غير أن تلك الأحكام لم تصل الى مستوى اطلاق حكم عام مطلق مفاده تصنيف الكاتب بأنه : " القامة الأعلى بين القصاصين العرب " ، استناداً الى نص لا يصح تصنيفه قصة وفاقا لثلاثة اَراء اكتفت بالوصف الموضوعي ، ولم تصدر حكماً لاعلى الكاتب ولا على كتابته .
هذا النوع من النقد التبجيلي المبالغ فيه هو مايجعل الكاتب ، في المثل الأول ، يقرر غياب النقد وغياب الأدب ، اذ يصبح ، في هذا الواقع ، كل من يكتب نصاً ، سواء كان جيداً أم رديئا " القامة الأعلى " بين القصاصين ، أو الشعراء ، أو الروائيين ... ، وان لم تقرّ ، ياعبد الله ، بذلك ، فالويل لك ،
وقد نالني من هذا الويل الكثير ، وأخشى أن ينالني ، بعد نشر هذه المقالة بعضه ، غير أني كنت ، وسوف أبقى ، أعمل بقول امام الأتقياء وسيد البلغاء : " لاتستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيها " .
* د. عبد المجيد زراقط--أستاذ جامعي - ناقد أدبي - قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- منوعات
