28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

جورج كلّاس ، [[الى كُلِّ بِنْتٍ ...الى كُلِّ وَلَدٍ ]] بَيْتُ الأهل...!

جورج كلّاس ، [[الى كُلِّ بِنْتٍ ...الى كُلِّ وَلَدٍ ]] بَيْتُ الأهل...! كتب الدكتور جورج كلاس :
لَنْ يَعْرِفَ الأولادُ قوَّةَ الجَاذِبِيَّةِ في {بَيْتِ الأَهْلِ } و لا سِرَّ نَكْهَتَهِ الخَاصَّة ، إِلّا متى ( رَيَّشوا ) و تَرَكوا عَتَبَاتِ الدَارِ التي حَفَّتْها أَقدَامُهُم ، و أَغلقوا وَرَاءَهُم البابَ الذي كانوا يَنْطَحونَهُ بِرؤوسِهم إِسْتِعْجالاً للدخول ، أَوْ يَطرقونه بحَقائِبِ المدرسةِ مُعلنينَ الرجوعَ الى العَرينِ ، جائِعينَ الى لِقْمَةِ أُمِّهم المطبوخةِ على نَارِ الحَنَانِ واللَهْفَة..!
لَنْ يُدرِكَ الأبْنَاءُ مَعْنَى البُنُوَّةِ الدَافِئَةِ ، إِلّا حِينَ يُقفِلونَ عيُونَهم على طَلَّةِ البَيْتِ و يّشتاقون للجُدرانِ التي حَفْتَروا عليها شَيْطَنَاتِ الطُفولَةِ و وَلْدَنَاتِ الصِبَا ، و خَبَّأوا بينَ حِجَارَتها ذِكرياتِ طَلْعَتِهِم بِكُلِّ بَِياضِها وتَلاوينِ أيامِها..!
تُغادِرُ مَسْقَطَ عُمْرِكَ و مَرْفَعَ رَأسِكَ ، مَزْهوَُاً بِقَوْلَةِ {{ بارَكَ اللهُ بَيْتاً يَخُرُجُ مِنهُ بَيْتٌ}}..,وأَنْتَ مُشَلَّعٌ بَيْنَ الإِلتِصاقِ بِمَاضِي حَنينٍ لَنْ يَدُومَ ، و مُسْتَقبَلِ حَنَانٍ تَبْنيهِ بِعَرَقِ القَلْبِ و تَحْمِيهِ بِرِمْشِ العَيْنِ ، و مُشتاقٍ أبداً لِحَنْوَةِ رَأْسٍ على كَتِفِ الأيَّامِ ، تَحْتمي بِعَتيقاتِهِ متى دَقَّ نَفيرُ الزمن...! بَيُتُ أَهلِكَ ، الذي تتَخَرَّجُ منه رَجلاً ، مَوفورَ الكرامةِ ، كَثيرَ الدَلالِ ، مُحْكَمَ الشَخْصِيََةِ ، مُرَبَيَّاً على القِيَمِ ، إِبْنَ عِزٍّ كريمَ نَفْسٍ ، ما أَنْ تَلِجَ عَتبَتَهُ بَعْدَ غَيْبَةٍ و تَدخلَ تحتَ قَنْطَرَةِ البَرَكَةِ ، حتى تَعودَ لِلحالِ طِفْلاً ، تَسترْجِعُ أيّامَ الهناءِ ، تستعيدُ شيطاناتِكَ ، تَبحثُ عن ألْعَابِِكَ ، تَحنَّ الى أَشيائِكَ ، و كأنّكَ الدَائِمُ الوَلدَنَةِ المُتَعَلِّقُ أَبَدَاً بِفُستَانِ أُمِّكَ و بِنْطالِ أبيكَ ...معها تَحُسُّ بالحنانِ ، معه تَشعُرُ بالأَمَانِ و تَضْحَكُ من عُمِقِ قَلبِكَ ، ضِحْكَةً إِشتاقَها سَقْفُ البَيْتِ..!
هنا فقط، تَفرَحُ و تَمرَحُ و تلهو و تُصَلِّي و تُخالِفُ من دونِ إِذْنِ أَحَد..أَنتَ الآمِرُ المَسْموعَةُ دَلْعَتُهُ والنَّاهي المُطاعَةُ غَنْجَتُهُ ! هنا تَعودُ إِبناً كامِلَ البُنُوَّة وارِفَ الدلالِ...هنا يتوقَّفُ عَدَّادُ الزَمَنِ عَنِ الكَرِّ والدَوَران .!!
و أَنْتَ ، في قُدسِ أقداسِ بَيْتِ الأَهل ، تَكتَنِفُكَ البَركاتُ يَلفُّكَ الرِضى ، وتَعيشُ مَفْخَرَةَ أَنَّكَ أَرزَةٌ من جَبَلِ هذا البَيْتِ ، و أَنَّ عليكَ أَنْ تكونَ مُستَحِقاً أَنْ تَحْمِلَ إسمَهُ و تَبني عَيْلَةً، تُرَبِّيها بِدَمْعِ القلبِ و تَرْعَاها بعينِ الروحِ ، و تُؤَسِّسَ بَيْتاً على صُورةِ بَيْتِ أهلكِ و مِثالِه ..!!! بيتُ أهلِكَ الذي سَكَنتَهُ سَنواتٍ ، يَسْكُنُكَ الى الأَبَدِ على رُتْبََةِ النُذورِ المُؤبَّدَة...! أَنْ تكونَ ( إِبْنَ بَيت ) ، هذا فَخْرٌ و إِعتزاز و فَضيلَة..!
هنا ، الخَمِيرةُ أَطْلَعُ ، والعَجْنَةُ أَبْرَكُ، والكَعْكَةُ أَقْمَرُ ،و اللُقْمَةُ أَشهى ، و الطَبَخَةُ أَطيَبُ ، و الطَعْمَةُ أَلَذُّ ، و فُنْجَانُ القَهَوَةِ أَنْكَهُ ، و كُلُّ كَسْرَةِ خُبْزٍ تَفُتُّ فَتّاً و تَذوبُ في حَلْقِكَ كأَنَّها القُرْبانَةُ الأُولى ..!
حَبَّةُ زَيتونٍ من خَابيَةِ بَيْتِ أهلِكَ تُساوي مَفْرَشَ طاولَةٍ عابِقَةٍ بالأطَايبِ والمَلَذَّاتِ و ألوانِ المُشَهيَّاتِ..هُنا فقط تَأكُلُ أصَابيعَكَ حُبَّاً بَعْدَ كُلِّ بَلْعَةٍ و هَضْمَةًٍ و تَشَكُّرٍ على حَمْدٍ
أَنْ تُصْبِِحَ ( رَبَّ بَيْتِ) ... إِنَّها النِعمَةٌ عَلَّقَها الزَمَنُ بِرَقْبَتِكَ ؛ فَكُنْ على قَدْرِ مَسؤوليَّةِ أَنْ تَفتَحَ بَيْتاً و تَبْنيَ عَيْلَةً ، على مَسْلَكِ أَهلِكَ الذينَ رَبُّوكَ بِدَمْعِ العَيْنِ و شَهْقَةِ الآخِ ، و نَذَروكَ لأنْ تكونَ مُسْتَحِقَّاً أَنْ ( تكونَ أَنْت)...!
أَن تبقى إِبْنَاً ، مهما أَشَاخَكَ العُمرُ و عَلَّاكَ الزَمَنُ و زادَ مَنْسوبُ رِضى أهلِكَ عَليْك ، هو أَنْ تَتَبَرَّكَ ، ما حَييتَ ، من تَجَاعِيدِ وَجْنَتَيْ والِدَيْكَ ، وَلوْ سَكَنا خَلفَ البرواز . و تَأَكَّدْ أَنَّ زُجّاجَ الصُورَةِ مُوصِلٌ جَيِّدٌ للحَنَانِ و نَاقِلٌ أَمينٌ لِلبَرَكة...فلا تُضَيِّعْ لَحْظَةً للعَيْشِ معهما إِنْ كانا هنا ... ولا تَتَأَخَّرْ عَنِ التَبَرُّكِ مِنْ طَيفِهما ، و التَدَفُؤِ بِحُنُوِّهِما ، متى صارا فَوْق..!
أَنْ تبقى إبناً ، معناها أَنْ تُعامِلَ الناسَ بالأخلاقِ التي تَرَبَّيْتَ و نُشِّئْتَ عليها، وأَنْ تَعْرِفَ أَنَّكَ بأَفْعَالِكَ تَسْتَدِرُّ على روحَيْهما الرَحمَةَ . تَذَكَّرْ أَنْ التَرَحَّمَ على والدَيْكَ هو (رُتْبَةُ جِنَّازٍ) مَقبولَةٌ لدى الله ، و هيَ أَكثرُ الدُعَاءَاتِ تَشَفُّعاً وإِستِجابَةً..فلا تَبخُلْ عليهما بأَنْ تَسْتَدرَّ لهُما الرَحْمةَ مَنْ أَفْوَاهِ الطَيِّبي الرُّوحِ و المُنْشَرِحي القلبِ...بعدَها ، تَكَنَّفْ بِبرَكاتِ الرّبِِ و إِمْتَشِحْ بِرِضى حِجَارةِ البَيْتِ و إِمْشِ طُلوعاً ..لا تَخَفْ ، أَيُّها الطِفلُ الكبيرُ...!
د. جورج كلاس--العميد السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وزير الشباب والرياضة حاليا
المصدر : صفحة الأديب الدكتور جورج كلاس
نشر في 3 شباط 2021 بجريدة النهار
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية