مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. الشعر والشعراء أو نبوَّة ومصدر رسالة ؟ / جريدة الأيام الإلكترونية
قرأت ، مؤخراً ، في احدى المجموعات الشعرية أنَّ الشاعر " كان ممكناً له أن يخلق / على الأقلِّ ، لمرَّةٍ واحدة / نصَّاً كالقراَن / يصيب الشعراء بالإخصاء " ( سرجون كرم ، سمكري الهواء ... ، بيروت : المؤسسة العربية ... ، ص. ٢٤ ) .
هذه الرؤية المتمثلة بالقول : ان القراَن يصيب الشعراء ب " الاخصاء " متداولة ، والكلام عليها ، قديماً وحديثاً، كثير ، وهي تحتاج الى نقاش موضوعيٍّ ، في ضوء عدة أمور ، منها :
قراءة النص القراَني الذي تحدث عن الشعر والشعراء كاملاً غير مجتزأ ٢. تبيُّن القضية المركزية التي رأى اليها هذا النص ، وهل هي الشعر والشعراء أو نبوَّة محمد ومصدر رسالته : القراَن الكريم وهوية المؤمنين به ؟ ٣. معرفة الواقع السوسيو – ثقافي ، للنص القراَني المعني ولتداوله . ٤. رؤية النبي ( صلى... ) الى الشعر ومواقفه العملية منه .
تستند رؤية " الاخصاء " الى جزء يُقتطع من سورة الشعراء ، وهو : ( والشعراء يتبعهم الغاوون / ألم تر أنَّهم في كل وادٍ يهيمون / وأنَّهم يقولون مالا يفعلون... ) ، وتقرِّر أنَّ هذه هي رؤية القراَن للشعر والشعراء ، ولا يكمل أصحاب هذه الرؤية قراءة ماجاء في سورة الشعراء عن هذه القضية ، ولا يقرأون ، أيضا ، ماجاء عنها في سور القراَن الأخرى ، وهي أربع عشرة سورة .
يعرف الباحثون الموضوعيون أنَّ من أسوأ عيوب البحث العلمي الاجتزاء من النص ، والبناء على هذا الاجتزاء ، في اصدار الأحكام ، فلو قرأ هؤلاء ماجاء ، في سورة الشعراء ، لقرأوا : ( وانَّه لتنزيل ربِّ العالمين / نزل به الروح الأمين / على قلبك لتكون من المنذِرين / بلسانٍ عربيٍّ مبين ... هل أنبِّئكم على من تنزَّل الشياطين / تنزَّل على كل أفَّاكٍ أثيم / يُلقون السمع وأكثرهم كاذبون / والشعراء يتبعهم ...) [ الشعراء / ١٩٢- ١٩٤و ٢٢١- ٢٢٧ ] . قراءة هذه الاَيات الكريمة ، بتدبُّر عقلي ، يفيد أنَّ القضية المركزية في الخطاب القراَني هذا ليست الشعر والشعراء ، وانما ، أولاً ، نبوَّة محمد ، وتأكيد أنه رسول الله ، وليس بشاعر ، و ثانياً ، مصدر رسالته ، وتأكيد أنَّه تنزيل من ربِّ العالمين ، وليس تلقِّياً من شياطين الجن ، أو شياطين الشعر الساكنة في وادي عبقر . وتكرر هذا التأكيد في القراَن الكريم ، فنقرأ على سبيل المثال : ( وانك لتُلَقَّى القراَن من لدن حكيم عليم ) [ النمل /٦ ] ، وثالثاً أنَّ المؤمنين برسالة هذا الرسول المرسل من الله ليبلِّغ رسالةً منزلة منه ، ليسوا من " الغاوين " الذين يتبعون الشعراء ، ورابعاً ، أنَّ فئة من هؤلاء الشعراء هم من هؤلاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويذكرون الله كثيراً ، وخامساً أنَّ لغة هذه الرسالة الالهية تؤدَّى بلسان عربي مبين ، وتتصف بجمالية فريدة معجزة ، وليست من الشعر .
توجَّه هذا الخطاب القراَني الى أناسٍ كانوا يرون أنَ القراَن شعر ، أو أساطير الأولين : ( اذا تتلى عليه اَياتنا قال : أساطير الأولين ) [ القلم / ١٥] ، وأنَّ النبي شاعر ، أو كاهن ، قادر على قول معرفة بكلام جميل ، فنفى القراَن ذلك ، وأكد أنه تنزيل من ربِّ العالمين ، فقال : ( انه لقول رسول كريم / وماهو بقول شاعر قليلاً ماتؤمنون / ولا بقول كاهن قليلا ماتذكرون / تنزيل من ربِّ العالمين ) . وأدى بهم توهُّمهم الى القول : أنَّ شياطين الشعر تنزِّل القراَن الكريم ، فنفى القراَن الكريم ذلك : ( وما تنزلت به الشياطين / وماينبغي لهم وما يستطيعون ) . وجاء في القراَن ذكر ماكان يقوله هؤلاء ، ومن نماذج أقوالهم نذكر : ( فلما جاءتهم اَياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين ) [ النمل / ١٣ ] . ( فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ) [ الطور / ٢٩ و٣٠ ] . قالوا ( بل هو شاعر ) [ الأنبياء / ٥] .
توجه هذا الخطاب الى هؤلاء ليفهمهم أن القراَن الكريم رسالة الهية ، نزَّلها الله على رسول كلَّفه بالدعوة اليها ونشرها ، بلغة عربية معجزة .
رأى النبي ( صلى... ) الى الشعر والشعراء من هذا المنظور القراَني ، فمن الأحاديث الشريفة ، الدالَّة على ذلك ، نذكر ، على سبيل المثال : " لاتدع العرب الشعر حتى تدع الابل حنينها " . يفيد هذا الحديث أنَّ الشعر تعبير فطري عن الوجد الانساني ، وانتاج للطبع الانساني ، أي أنَّ صدوره عن الانسان أمر حتمي ، بوصفه تعبيراً عن الذات ، يصدر تلقائياً كما يصدر الحنين عن الابل . وهذا الوجد / الحنين / الشعر ، كما يقول رسول الله ( صلى...) : " كلام مؤلَّف ، فما وافق الحق منه فهو حسن ، وما لم يوافق الحق منه ، فلا خير فيه " . و يرقى هذا الكلام الى مستوى السحر ، كما جاء في حديثٍ اَخر : " انَّ من البيان لسحراً ، وانَّ من الشعر لحكمة " ( العمدة ، ص. ٢٧ ) . يشمل هذا الحديث البيان ، وهو كما يعرفه المختصون ،الابانة و كشف قناع المعنى بلغة جميلة ، ويخصُّ الشعر منه ب" الحكمة " . وهو ، كما جاء ، في حديث اَخر : " كلام من كلام العرب ، جزل تتكلم به في بواديها ، وتسلُّ به الضغائن من بينها " . وهذا يعني أنَّه ليس مما توحيه شياطين الشعر ، وأنَّه يختلف عن الكلام العادي ، وهو نوعان : طيب موافق للحق ، يجسد تجربة انسانية ، ويؤدي وظيفة اجتماعية ، فيستل الأحقاد ، ويقيم الوئام الاجتماعي . يؤسس هذا المفهوم للشعر لمرحلة شعرية جديدة في الشعر العربي تبدلت فيها طبيعته ووظيفته . وتأسيساً على هذا المفهوم أراد النبي ( صلى... ) للشعر أن يكون لسان الدعوة الجديدة ، المدافع عنها ، الداعي الى مبادئها وتعاليمها . مواقف النبي الدالَّة على هذا الأمر كثيرة ، منها ، على سبيل المثال : أنشده كعب بن زهير قصيدته :" بانت سعاد " ، فصفح عنه ، وخلع عليه بردته ، ولما بلغ الشاعر ، في قصيدته ، الى قوله : "... ان الرسول لسيف يستضاء به / مهنَّدٌ من سيوف الله مسلول ... " ، أشار الى المسلمين أن يسمعوا شعره ( الأغاني ، ١٧/ ٨٨ ) . ولما أسرف شعراء قريش في هجائه ، قال لشعراء المسلمين :" فما يمنع الذين نصروا الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم " . وبعد أن استجاب هؤلاء لدعوته تلك ، ورأى شدة تأثيرهم ، بارك صنيعهم ، وذكَّر بمفهومه للشعر ، وقال :" هؤلاء النفر أشدُّ على قريش من نضح النبل " وقال لحسان بن ثابت : " اهجهم – يعني قريشاً – فوالله ، لهجاؤك عليهم أشدُّ من وقع السهام في غلس الظلام ، اهجهم ، ومعك جبريل روح القدس ... " ( راجع : العمدة ، ١/ ٢٧- ٣٢ ) . وهاهو في طريقه الى المعركة مع مشركي قبيلة دوس ... ، وقد شنق ناقته بزمامها حتى وضعت رأسها عند مقدِّمة الرحل ، يقول لكعب بن مالك : احد بنا ، فيحدو كعب :" وقضينا من تهامة كلَّ حقٍّ/ وخيبر ، ثم أجممنا السيوفا / نخيِّرها ، ولو نطقت لقالت : / قواطعهن دوساً أو ثقيفا " ، فقال : " والذي نفسي بيده ، لهي أشدُّ عليهم من رشق النبل " . وقيل :" ان دوساً أسلمت من كلمة كعب هذه " ( زهر الاَداب ، ١/ ٣٣) .
يفيد ماسبق أنَّ القضية المركزية ، في ماجاء في الاَيات القراَنية ، وفي ماأثر عن النبي ( صلى .. ) من حديث ومواقف ، في ماخصَّ الشعر والشعراء ، كان الحرص على وضع حدٍّ فاصل بين الشعر والقراَن ، وبين الشاعر ورسول الله ... ، ووضع مفهوم للشعر يصدر عن رؤية اسلامية شاملة الى العالم ، والتأسيس لمرحلة شعرية جديدة وفاقاً لهذا المفهوم
عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي.
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- منوعات
