28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | الشيخ أحمد رضا العاملي لغوياً للباحث المصري محمد سماحة عوض / جريدة الأيام

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | الشيخ أحمد رضا العاملي لغوياً للباحث المصري محمد سماحة عوض / جريدة الأيام * عبد المجيد زراقط:
"الشَّيخ أحمد رضا العاملي لغويَّاً"(1) كتاب صدر، مؤخَّراً، للباحث محمد سماحة عوض، يقدِّم معرفةً بالشَّيخ أحمد رضا العاملي (1872 – 1953) وبجهوده الُّلغويَّة في مرحلةٍ مهمَّة من مراحل التَّاريخ العربي، كانت الُّلغة العربيَّة فيها بأمسِّ الحاجة إلى هذه الجهود التي بذلها روَّاد كبار كان منهم الشَّيخ العاملي.
كان الشَّيخ أحمد رضا العاملي، رائداً من روَّاد النَّهضة الُّلغوية، في عصر النَّهضة. وقد بذل جهوداً في هذا المجال أحلَّته في مكانة علميَّة عليا دفعت المجمع العلمي العربي في دمشق إلى أن يعهد له بوضع معجم يضمُّ متن الُّلغة. وممَّا يدلُّ على هذه المكانة، فضلاً عن تكليفه بإعداد المعجم المذكور، ما جاء في رسالة المجمع له، لدى اختياره عضو شرف فيه في تشرين الأوَّل عام 1920: "قرَّر [المجمع] انتخابكم عضو شرف لما يعهد فيكم من الكتابة في العلم، والتمكُّن من آداب الُّلغة العربيَّة التي نعدُّكم من فرسانها...".
هذا الكتاب، في الأساس، رسالة جامعية، قدَّمها الكاتب في جامعة الأزهر لنيل شهادة التخصُّص (الماجستير) في الُّلغة العربيَّة، وقد مثَّلت جهود الشَّيخ الُّلغويَّة التي أثمرت مكانة علميَّة مرموقة وكتباً كثيرة مسوِّغ اختياره للشَّيخ، ليكون موضع رسالته هذه.
يتألَّف الكتاب من مقدمة جامعيَّة وتمهيد وثلاثة أبواب، يتفرَّع كلٌّ منها إلى عدَّة فصول وخاتمة وفهارس فنيَّة. تحدَّث الباحث، في التَّمهيد، عن الشَّيخ أحمد رضا: حياته، شعره، مؤلَّفاته، نضاله السياسي، فكره الإصلاحي، مذهبه العقدي، مكانته العلميَّة، وفي الباب الأوَّل عن جهود الشَّيخ الُّلغويَّة في معجمه: "متن الُّلغة"، وفي الثَّاني عن جهود الشَّيخ الُّلغويَّة في مباحث فقه الُّلغة، وفي الثَّالث عن جهود الشَّيخ في مجال النَّقد الُّلغوي، وفي الخاتمة ركَّز ما توصَّل إليه من نتائج، وأورد بعض التَّوصيات.
وإن عُرِف الشَّيخ بأنَّه عالم لغوي، في المقام الأوَّل، فإنَّه لم يكن ذلك العالم الُّلغوي المتميِّز فحسب، وإنَّما كان عالم دين، ومربِّياً وشاعراً، وكاتباً ومبدعاً، ومصلحاً بارزاً، ومناضلاً وطنياً... وقد وصفه يعقوب صرُّوف، صاحب مجلة "المقتطف"، بأنَّه "أكتب كاتب في سوريا"، ووصفه الشَّيخ أحمد عارف الزَّين، صاحب مجلة "العرفان"، بأنَّه "كان أمَّة في رجل". وقد كان حاضراً فاعلاً في عصره.
رأى المجمع الُّلغوي العربي، في دمشق، فيه "فارساً من فرسان العربيَّة"، فاختاره عضواً فيه، عام 1920، كما قلنا قبل قليل، ثمَّ انتدبه، عام 1930 لتأليف معجم، "يجمع فيه متن الُّلغة، باختصار مفيد، ويضمُّ إليه ما وضعه مجمعا دمشق ومصر من الكلمات المنتخبة للمعاني المستحدثة، وما دخل في الاستعمال، وطرأ على الُّلغة، زمن العبَّاسيين والأيوبيِّين ومن بعدهم"، فتمَّ له ذلك بعد جهدٍ ونصب داما نحو ثماني عشرة سنة.
ويبدو واضحاً أنَّ الشَّيخ يتَّصف بأبرز صفات الباحث، ومنها: الإقدام على إنجاز المهمَّة، على الرغم من الصُّعوبات، وتحقيق الكشوف الجديدة، ما يفتح الباب للباحثين التالين ليواصلوا البحث والإنجاز، علاوة على التَّواضع العلمي. وللشِّيخ، علاوة على "معجم متن الُّلغة"، مؤلَّفات أخرى، المطبوع منها: "ردُّ العامِّي إلى الفصيح" و"رسالة الخط"، و"مولد الُّلغة" و"الدروس الفقهيَّة" و"روضة اللطائف"، والمخطوط: "الوافي بالكفاية" و"العمدة"، و"معجم الوسيط"، و"المعجم الموجز" و"التذكرة في الأسماء المنتخبة للمعاني المستحدثة". ومجموعة قصائد شعريَّة تفيد أنَّ الشَّيخ لم يحترف نظم الشِّعر، وأنَّه كان يقوله ليبوح بما في نفسه، من دون أن يعنى بنشره، على عادة علماء جبل عامل آنذاك. وتفيد هذه القراءة، أيضاً، أنَّه التزم في شعره التَّعبير عن هموم النَّاس، ولم يدع حادثة تمرُّ من دون أن يرى إليها، ويبدي رؤيته كاشفاً الواقع، كما تفيد أنَّه عانى الكثير من الصعوبات في حياته، فبدت له الحياة، بعدما جاهد فيها ملأى بالعِبر و"الهم والتَّنكيد". نفيد من دلالة عنوان إحدى قصائده: "نهج العلم صراط مستقيم" في تبيُّن رؤية الشَّيخ الإصلاحيَّة؛ إذ إنَّه يجعل من "نهج العلم" هذا الصِّراط المستقيم، ما يعني أنَّه يرقى بالعلم إلى مستوى صراط المهتدين، الموصل إلى نعمة الله ورضاه. وهذه رؤية إسلاميَّة، تعود إلى ينابيع الإسلام الأولى، لتستلهم منها الحلَّ للمشكلات المستحدثة التي تواجه المسلمين في هذا العصر، ولتوفِّق بين جوهر العقيدة الإسلاميَّة والعلوم الحديثة.
وفي ما يتعلَّق بِـ"معجم متن الُّلغة"، فقد اتبع في ترتيبه منهجاً يقوم على تجريد الكلمة من الزَّوائد، فيحصل على مادَّة لغويَّة/أصل، يرتِّبها هجائيَّاً، ويبدأ بالمجرَّد من الأفعال فالأسماء فالصِّفات فالمزيد. ثمَّ يفسِّر عبارة القدماء، ويضيف، إن رأى حاجة إلى ذلك، ويستعين بالصُّور والرموز. ويردُّ العامي إلى الفصيح، مثل شِلَّة: أصلها ثُلَّة، يقول ذلك، ويضيف: وكثيراً ما تقلب العامَّة الثَّاء شيناً، مثل بحث وبحش. وعلى الرُّغم من أهميَّة "معجم متن الُّلغة"، فقد مني بالجهل به، أو بالتَّجاهل.
ومن الإنجازات التي حقَّقها الشَّيخ كتابة تاريخ الألفاظ، وهذا جهد قلَّ من قام به من مؤلِّفي المعاجم العربيَّة، ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إليه. إنَّ الشَّيخ "يذكر الَّلفظة والعصر الذي طرأت فيه على الُّلغة حتى يصل بالَّلفظة إلى العصر الحديث، حتى ليشعر القارئ أنَّ الشَّيخ يولد مع الَّلفظة، ثمَّ يموت العصر ويندثر ولا يبقى منه إلاَّ اثنان: الَّلفظة لتستعمل والشَّيخ ليصف استعمالها".
وقد يكون من أهمِّ ما تحتاجه لغتنا، وهو متوافر لدى كثير من الُّلغات الأخرى، المعجم التَّاريخي للألفاظ الذي يؤرِّخ للألفاظ بدءاً من مولدها وتتبُّعاً لتطوُّر معناها، وصولاً إلى العصر الحديث.
لم يقتصر تميُّز بحوث الشَّيخ الُّلغوية على التأريخ الُّلغوي للألفاظ، وإنَّما شمل أيضاً شأناً لغوياً آخر هو "ردُّ العامِّي إلى الفصيح"، فقد عني بهذا الشَّأن في "معجم متن الُّلغة"، وخصَّص له كتاباً مستقلاًّ سمَّاه "ردُّ العامِّي إلى الفصيح" صدر عام 1952، ضمَّ مقالات كان الشَّيخ قد نشرها في دورية المجمع العلمي العربي في دمشق، وفي "العرفان". وقد جمع الشَّيخ، في هذا الكتاب، أكثر من ألفٍ وأربعمئة مادَّة لغويَّة. ويبدو أنَّ الشَّيخ لم يكتفِ بردِّ الألفاظ إلى أصلها، وإنَّما أصَّل الكثير من الألفاظ العاميَّة الدَّخيلة. ويعمد الشَّيخ، في ردِّه العامِّي إلى الفصيح، إلى بحثٍ لغوي، يتتبَّع فيه تطوُّر معنى الكلمة، ما يعني أنَّ التطوُّر يشمل تحوُّلين: أوَّلهما التحوُّل إلى العاميَّة، وثانيهما التحوُّل إلى أداء معنى جديد.
ومن المشكلات/التحدِّيات الُّلغوية التي واجهها الشَّيخ الوضع والتَّوليد الُّلغويَّان، ويقصد بالوضع الُّلغوي تعيين لفظ لمعنى، سواءً أكان الَّلفظ عربيَّاً أم معرَّباً، ويشترط فيه أن يجري وفاقاً لقواعد الُّلغة العربيَّة، ما يعني أنَّ حريَّة الُّلغوي في وضع الألفاظ الجديدة للمعاني المستحدثة مقيَّدة بقواعد الُّلغة في استحداث ألفاظ جديدة.
ويعدُّ التَّوليد الُّلغوي عملية لا تنفك تحدث في أي لغة، كالوضع الُّلغوي، وهو نوعان: أوَّلهما توليد لفظي، يأتي الَّلفظ فيه، في صيغة جديدة، تؤدِّي معنى جديداً، وثانيهما توليد معنوي، يبقى الَّلفظ فيه في صيغته القديمة ويؤدِّي معنى جديداً.
ولم تقتصر بحوث الشَّيخ على علم الُّلغة، وإنَّما شملت قضايا فقه الُّلغة أيضاً، فبحث في نشأة الُّلغة العربيَّة وتطوُّرها في كتابه: "مولد الُّلغة"، فعرَّف الُّلغة، وبيَّن الحاجة إليها، وعرض نظريات نشأتها.
وبعد أن انتهى من عرض هذه النَّظريات، ناقشها، وخلص إلى رأي تبنَّاه، وهو: "إنَّ الُّلغة نشأت متدرِّجة من إيماء وإشارات إلى مقاطع صوتيَّة، وفيها تقليد وحكايات للأصوات الطَّارئة على سمع الإنسان، طبيعيَّة كانت أو غير طبيعيَّة...". ثمَّ تحدَّث عن تطوُّر الُّلغات وطوائفها، مستخدماً معياري القرابة الُّلغوية والارتقاء في تصنيفه لها.
ثمَّ بحث في نشأة الُّلغة العربيَّة، وتطوُّرها، وفصَّل في ذلك، فعاد إلى النقوش، والنُّصوص، ورأى أنَّ الُّلغة العربيَّة توحَّدت قبل الإسلام.
وبحث في الخط العربي، من حيث تعريفه ونشأته ومراحل تطوُّره وترتيب الحروف ونقطها وتشكيلها... وتحدَّث عن أوَّل من عرف حروف الهجاء، فبيَّن أنَّ الأبجديَّة الفينيقيَّة هي أصل الأبجديات في العالم، ورأى أنَّ الكتابة بدأت تصويراً حسِّيَّاً فمقاطع صوتيَّة، فكتابة هجائيَّة.
وإن يكن الشَّيخ قد بذل الجهود التي أشرنا إليها في علم الُّلغة وفقهها، فإنَّه كان يتابع إنتاج العلماء الآخرين، وينقده بموضوعيَّة، متَّبعاً المنهج الوصفي التحليلي النَّقدي، فيرصد الظَّاهرة، ويصفها، ويحلِّلها، ويقارنها، ويبدي رأيه. كان هذا شأنه في مؤلَّفاته، وفي نقده لمؤلَّفات العلماء الآخرين. و"لم يكن همُّه، في نقده، إظهار الخطأ بقدر ما كان همُّه إظهار الصَّواب، فلم يكن متجنِّياً ولا متحاملاً، وإنَّما كان مدقِّقاً ومحقِّقاً ومصوِّباً".
ترتسم أمامنا، ونحن نتعرَّف إلى الشَّيخ أحمد رضا العاملي، شخصيَّة العالم الحقيقي، المختص وموسوعي المعرفة في آن، والمنتمي إلى أمَّته، المواجه لمشكلاتها، على مختلف المجالات، وبخاصَّة مجال اختصاصه، بما يمتلكه من قدرات.
* الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
-------------------
(1 ) محمد سماحة عوض، الشَّيخ أحمد رضا العاملي لغوياً، بيروت: المجلس الثقافي للبنان الجنوبي ودار الفارابي، ط. 1، 2009، 613 صفحة. والعاملي نسبة إلى جبل عامل (لبنان الجنوبي حالياً)، وسمِّي الجبل بهذا الاسم نسبة إلى قبيلة عاملة العربيَّة التي هاجرت إلى بلاد الشَّام، على أثر خراب سد مأرب، وأقامت في هذا الجبل.