28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | النَّقد البنيوي التكويني والرّؤية الكونيَّة/ جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | النَّقد البنيوي التكويني والرّؤية الكونيَّة/ جريدة الأيام الإلكترونية أ. د. عبد المجيد زراقط :
يبحث د.خليل أبو جهجه موضوع "الرؤية الكونيَّة في أدب ميخائيل نعيمة، ويسوِّغ اختياره هذا الموضوع بأمرين:
أوَّلهما محاولة بلورة رؤية كونيَّة لميخائيل نعيمة يستقيها من مؤلَّفاته بعدما خلص إلى الاعتقاد بوجود هذه الرؤية التي لم يبلورها أي باحث ممَّن درسوا كتابات نعيمة من قبل، وهم كثر.
وثانيهما استخدام منهج علمي يتيح الوصول إلى نتائج لم يصل إليها الباحثون من قبل، وتتمثَّل هذه النتائج، كما قلنا، في بلورة تلك الرؤية الكونيَّة.
يحدِّد الباحث الهدف الذي يريد تحقيقه، ويفترض وجوده في مؤلَّفات نعيمة، كما أنَّه يحدِّد
المنهج الذي سيوصله إلى تحقيق الهدف. وإن يكن الأمر هكذا، أي السعي إلى الإتيان بجديد بوساطة منهج علمي جديد، فإنَّ هذا يثير مسألة منهجيَّة مهمَّة وهي ضرورة الاتصال المعرفي، فقد كان من أصول البحث المنهجي أن تُقدَّم معرفة بالنتائج التي توصَّل إليها الباحثون السابقون في الموضوع نفسه، وهم كثر، وذلك كي تتم معرفة ما سوف يُضاف إليها، وبخاصَّة إن كانت تبحث في القضايا نفسها، مثل: المناحي الفكرية في أدب ميخائيل نعيمة لهدى زكا، ومفهوم الحلولية في فكر نعيمة لجورج نخل، وفلسفة ميخائيل نعيمة لمحمد شيا، وميخائيل نعيمة الأديب الصوفي لثريا ملحس.
وإن كان الباحث قد ذكر هذه الكتب وكتباً أخرى من أدب نعيمة وفكره، فإنَّه لم يقدِّم معرفةً نقديةً بها، بغية التأسيس عليها، فالمعرفة تواصل إنجازات، وليست دائماً بدءًا من جديد، وإن كان البدء من جديد صعباً، فإنَّ التواصل لا يقل صعوبة عنه، إذ إنَّه يجعل للمعرفة مساراً تكوِّنه الأجيال جيلاً بعد جيل، فيكمل اللاحق من حيث بدأ السابق، ولا يحاول أن ينفيه أو يلغيه.
تتمثَّل المشكلة، بعامَّة، في أن يعدّ الباحث نفسه بدءًا، وأن أحداً من الباحثين الذين سبقوه، أو عاصروه، لم يسهم في بلورة ما سوف يبلوره هو، وحلُّ هذه المشكلة يتمثَّل في المعرفة، معرفة الآخر وقبوله وحواره والإضافة إلى ما أنجزه اتفاقاً أو اختلافاً...، فالمعرفة اتصال لا انقطاع مع أي مصدر من مصادرها...، وهي إذ تتصل بهذا المصدر، وقد تصدر عنه، تتجاوزه وتضيف إليه إنجازاً يأتي من يتَّصل به ويتجاوزه ويضيف إليه، وهكذا تتواصل الإنجازات في حركة إنتاج لا تنقطع.
هذا الكتاب: "الرؤية الكونيَّة في أدب ميخائيل نعيمة"، في الأساس، أطروحة دكتوراه في اللغة العربيَّة وآدابها عنوانها: "مقوِّمات الفكر الاجتماعي في أدب ميخائيل نعيمة"، والسؤال الذي يُطرح هنا هو: هل من تغيير حدث حين تحويل الأطروحة إلى كتاب أدَّى إلى تغيير العنوان؟
ليس في مقدِّمة الكتاب، ولا في الهامش (1ـ ص16) الذي يفيد "أنَّ الكتاب في أساسه أطروحة دكتوراه" ما يجيب عن هذا السؤال، فهل من إضافات جعلت المجال يتسع من الاجتماعي إلى الكوني، ومن مقوِّمات الفكر إلى الرؤية؟
لا يخفى أنَّ فرقاً كبيراً يوجد بين مقوِّمات الفكر الاجتماعي وبين الرؤية الكونيَّة، فالتَّركيب الأوَّل يعني مقوِّمات المنظور الفكري في المجال الاجتماعي، والثاني يعني ما يكشفه المنظور: الرؤية في مجالات الكون جميعها، فأي الموضوعين يبحث الكتاب؟
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، نقرأ العنوان الثاني للكتاب، فنجد أنَّه "محاولة كشف المقولات الفكرية في رؤية نعيمة إلى الله والكون والإنسان كينونة وعلاقات"، فالبحث إذاً محاولة في كشف المقولات الفكرية في الرؤية وليس الرؤية نفسها، ثم نقرأ، في مقدِّمة الكتاب، تحديداً للغاية الأساسيَّة التي رمى إليها البحث، فنجد أنَّها تتمثَّل في "استخلاص البنى الفكريَّة التي تقوم عليها رؤية ميخائيل نعيمة الكونية ومحاولة تفسيرها خلل الوقوف على معالمها وأبعادها ومراميها والانتهاء إلى ربطها بمصادرها ومنابعها".
فالبحث، كما تفيد المقدّمة، إذاً، هو بحث في البنى الفكريَّة التي تقوم عليها الرؤية، وليس في الرؤية. ويلاحظ، هنا، أنَّ الباحث استخدم مصطلح "البنى" بدلاً من "المقولات" الذي استخدمه في العنوان الثانوي، فهل يعني هذا أنَّ المصطلحين يفيدان المفهوم نفسه، علماً أنَّ البنية الفكرية تعني، كما هو معروف، منظومة مقولات فكرية؟
وما دمنا في صدد الكلام على الرؤية الكونية بوصفها العنوان ـ الموضوع، نجد أنَّ الباحث فضَّل اختيار هذا المصطلح بديلاً من مصطلح "الرؤية إلى العالم"، وذلك لأنَّ الكون يشتمل على أبعاد ودلالات أكثر اتساعاً من العالم، كما يقول الباحث.
لكن مصطلح "الرؤية إلى العالم" يمثِّل عنصراً أساساً من عناصر المنهج البنيوي التكويني، وهو من مقولات لوسيان غولدمان (1913 ـ 1970) الأساسية التي اقتبسها من هيغل وماركس ولوكاتش.
تختلف "الرؤية إلى العالم" عن "الرؤية الكونية" من ناحيتين، عدا الشمول الذي أشار إليه الباحث:
أولاهما أنَّ التركيب: "الرؤية الكونيَّة" المكوَّن من موصوف ووصف يختلف في تركيبه ودلالته عن التركيب :"الرؤية إلى العالم" المكوَّن من مبتدأ وشبه جملة (جار ومجرور) متعلِّقة بخبر محذوف، فالرؤية الكونية قد تكون كونية، من حيث الموضوع/ الخطاب أو من حيث المخاطب، أو من حيث الموضوع/ الخطاب والمخاطب معاً، وهذه ما لاتفيده "الرؤية إلى العالم".
وثانيتهما، وهذا هو الأهم أنَّ مصطلح "الرؤية إلى العالم" يعني رؤية جماعة/ طبقة إلى العالم، أو وعيها له، يتمكَّن الفرد المتميِّز المبدع، من هذه الجماعة، من تجسيد هذه الرؤية/ الوعي في نصٍّ ينطق بها، والوعي المعني، هنا، هو الوعي الممكن وليس الوعي الفعلي، ولا يتوفَّر تمثُّل الوعي الفعلي وتمثيله وعياً ممكناً في الأدب إلاَّ للكتَّاب الكبار من دون الصغار، فهؤلاء يتوقَّفون عند الوعي الفعلي لدى طبقة ما، ويقتصرون على وصفه، وكما هو معروف فإنَّ الوعي الممكن يتضمَّن الوعي الفعلي وإضافةً عليه، يستند إليه ويتجاوزه، ليكون وعياً شمولياً.
إنَّ "الرؤية إلى العالم" تعني رؤية جماعة/ طبقة إلى العالم، وليس إلى الكون...، كما قلنا، وهذا ما لا تعنيه الرؤية الكونية، فهذه لا تمثِّل رؤية جماعة/ طبقة إلى قضايا العالم وأشيائه، وإنما تمثِّل رؤية تتجاوز المجال الاجتماعي السياسي إلى مجالات كثيرة منها: الدين، الماورائيات، التقمُّص، التصوُّف، طرق تحصيل المعرفة والسعي إلى كمال الإنسان...، فهل هذا ما هدف إليه تغيير المصطلح، ومن ثم تغيير العنوان؟
والباحث الذي يستخدم منهج البنيوية التكوينية يقوم بمهمتين: أولاهما تحليل النَّص، معرفة عناصره الرئيسيَّة التي تشكِّل وحدته، ونظام علاقات هذه العناصر، وفعَّاليته الجمالية والدلالية.
وثانيتهما وضع البنية الداخلية للنَّص في سياق حركة التاريخ الذي ظهر فيه، وذلك أنَّه لا نستطيع أن نفهم البنية الدلالية بشكل معمَّق إلاَّ إذا ربطناها بشكل أوسع بالبنى الذهنية ورؤى الطبقات الاجتماعية للعالم والبنية الاجتماعية الاقتصادية التي تفرزها حقبة تاريخية معيَّنة.
إنَّ هذا الفهم لـ"الرؤية إلى العالم"، من منظور المنهج البنيوي التكويني، وهو المنهج الذي يتبنَّاه الباحث كما يقول، يضعنا أمام مشكلة منهجيَّة تتمثَّل في ما يأتي:
يتبيَّن الباحث أنَّ رؤية ميخائيل نعيمة ترتبط ببنية دلالية أكثر شمولاً واتساعاً عائدة إلى عدد من اتجاهات الفكر الباطني، إن يكن الأمر هكذا فهل يمكن أن نسمِّي الرؤية الباطنيَّة رؤية إلى العالم بالمعنى "الغولدماني"؟ وإن تكن الإجابة بالإيجاب، فأي جماعة/ طبقة تمثِّل هذه الرؤية العائدة إلى عدد من اتجاهات الفكر الباطني؟ وهل هي رؤية فرد متميِّز مبدع يتمثَّل الوعي الفعلي لجماعة ويمثِّله وعياً ممكناً في نصوص إبداعية؟
وإن تكن رؤية نعيمة الكونيَّة لا تمثِّل رؤية إلى العالم بالمعنى الجماعي/ الفردي في آن، وهو المعنى الذي حدَّده غولدمان، فإنَّ السؤال الذي يطرح هو: هل كان نعيمة خارج الانتماء إلى جماعة/ فئة؟ وإن يكن الجواب بالإيجاب في ما يتعلق بمرحلة من مراحل حياة نعيمة، فهل كان الأمر كذلك في مختلف مراحل حياته؟ وهل وُلدت رؤيته التي تبيَّنها الباحث كاملة منذ أن بدأ النشر عام 1916، واستمرَّت هكذا طوال ممارسته للكتابة، أي إلى عام 1988، علماً أنه كتب في مختلف أنواع الكتابة؟
إنَّ هذا السؤال يثير إشكالية منهجية تتمثَّل في كيفية تحصيل معرفة برؤية كاتب مارس الكتابة، بمختلف أنواعها، طوال اثنين وسبعين عاماً. ليس من شك في أنَّ مساراً من التحوُّل / التطور قد حدث، ما يضعنا إزاء تكوُّن تاريخي، وبغية معرفة هذا التكوُّن، المسار معرفة علمية لا بدَّ في ضوء معرفة أوليَّة بنتاجه، من تقسيم هذا المسار إلى مراحل تطور واختيار نماذج تمثِّل هذه المراحل ودراستها تزامنياً، ما يتيح الخلوص إلى نتائج يمكن توظيفها في دراسة تعاقبيَّة. وقبل ذلك لا بدَّ من تحديد المادة موضوع الدراسة، أي النصوص التي سيتم اختيار النماذج منها.
وتعني الدِّراسة التزامنية، إنْ طبَّقنا المنهج البنيوي التكويني، أن ينظر إلى النص نظرة تنطلق من مصدر انبثاق الرؤية المولِّدة للنَّص الأدبي، وأن ينظر ثانياً إلى النص بوصفه بنية لغوية تنطق بدلالة، وأن توضع هذه البنية الجمالية الدلالية في نظام البنية الكلية...، وهكذا تكون الدراسة ملموسة وموضوعية، وتمسك برؤية نعيمة الكاشفة للواقع الاجتماعي في كل مرحلة، وفي تطورها/ صيرورتها...، ثم يتم النظر إلى هذه الرؤية وتقويمها من حيث أصالتها وتأثُرها وعمقها وفعاليتها...، الأمر الذي يؤدي إلى معرفة رؤية نعيمة في كل مرحلة وإلى معرفة الرؤية الشاملة وبلورتها وتقويمها... ولعلَّه من الصواب القول: إنَّ نعيمة تمثَّل، في مراحل من مسار تطور رؤيته، رؤية إلى العالم بالمعنى الغولدماني ومثلها في كتاباته، وبخاصَّة الإبداعية.
وقد نحتاج إلى التمثيل على ما نذهب إليه، فلنحاول ذلك. من النتائج التي توصَّل إليها الباحث أن لنعيمة رؤية شاملة يصدر عنها في مواقفه وآرائه، وهذه الرؤية لا ترتبط بالمناسبات والأحداث الزمنية العابرة، مهما طال أمدها أو تنوَّع مداها الجغرافي ضيقاً واتساعاً.
هذه النتيجة صحيحة بشكل عام، ولكن متتبِّع مسار تطور رؤية نعيمة يلمس في كتاباته رؤية واقعية تأمُّلية انتقادية، وتحريضيَّة أحياناً، ذلك أنَّه في معظم قصصه ينظر إلى الواقع ويكشفه بتناقضاته، ويحرِّض على تغييره...، وينقم على المستأثرين بخيرات الأرض، ويصفهم بـ"الهمج"، ويدعو إلى توفير العدالة الاجتماعية، وأحياناً من طريق المواجهة، كما يبدو ذلك في قصة "ثائران" على سبيل المثال، وأحياناً أخرى من طريق ثورة فكرية روحيَّة تبني الإنسان من الداخل لا من الخارج. وأحياناً من طريق تصوير الداء ومظاهر فتكه بالبشر تصويراً يكوِّن الوعي بضرورة تغييره، كما يبدو ذلك في أقاصيص مثل "أبو بطة" و"العاقر"، على سبيل المثال.
وهنا تطرح، أمامنا، إشكالية منهجيَّة أخرى تتمثَّل في كيفيَّة دراسة إنتاج أدبي فكري تجاوز الثلاثين مؤلَّفاً، وتنوَّع بين مقالةٍ ومثلٍ وأقصوصة وقصة ومسرحية وسيرة وشعر وتأمُّل ديني ورسائل؟
ويبدو أنَّ الباحث أدرك صعوبة التعامل مع هذا الإنتاج المتنوِّع الصادر في مسار تاريخي طويل، فحدَّد مصادر مادَّة بحثه، فقال: "استقيت مادَّة هذا البحث وبناه الفكرية والذهنيَّة مما جاء في مقالات نعيمة بالدَّرجة الأولى، وكنت أعقِّب بما جاء في مؤلَّفاته الأخرى من روايات ومسرحيات وشعر. وقد التزمت بهذا النسق في معالجة معظم القضايا المطروحة، إلاَّ حيث كانت تدعو الضرورة باستقراء بعض نصوص هذه المؤلفات".
إنَّ هذا الإجراء يعني أنَّ البحث استقى رؤية نعيمة من المقالات وليس من النُّصوص الإبداعيَّة وفرق كبير بين هذين النَّوعين الكتابيَّين، فالنَّوع الأوَّل يقدِّم معرفة مباشرة، والنَّوع الثاني يقدِّم معرفة أدبيَّة غير مباشرة تحتاج إلى منهجٍ خاصٍّ لتحصيلها. وهنا نقع في مشكلة منهجيَّة تتمثَّل في إسقاط منهج عام على نصوص مختلفة من حيث النَّوع. ويخلص الباحث إلى القول في هذا المجال "نستطيع القول: إنَّ البنية الشاملة التي تحتضن رؤية نعيمة إلى الله والكون والإنسان هي بنية الفكر الباطني العالمي".
فهل يعني هذا أنَّ نعيمة مفكِّر انتقائي انتقى مقولات فكريَّة من "الفكر الباطني العالمي"، الواقع خارج البنية الاجتماعية، وصاغ منها رؤيته الكونية، الانتقائية؟
وعن صياغة هذه الرؤية، يقول الباحث: "إنَّ نعيمة صاغ رؤيته الكونية، مستفيداً من قدرات وعيه الممكن". لكن هل تعد المقولات الفكرية المنتقاة من بنية فكرية تقع خارج البنية الاجتماعية، والمسقطة عليها من الخارج من "الوعي الممكن"؟
إنَّ مفهوم "الوعي الممكن"، كما صاغه غولدمان، وكما مرَّ بنا آنفاً، يجعلنا نقول: إنَّ هذا النوع من المقولات الفكرية ليس "الوعي الممكن"، وإن يكن كذلك فوعي أي جماعة/ طبقة يمثِّل هذا الفكر الانتقائي الذي تحتضنه بنية الفكر الباطني العالمي المنفصل عن واقعه؟
إنْ هذه إلاَّ أسئلة تثير قضايا للنقاش يطرحها هذا الكتاب، وهذه القضايا إن هي إلاَّ بعض قضايا / إشكاليات المنهج والمنهجيَّة في البحوث العلميَّة.
* د. عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية