مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | بين تحليل النص والنقد الأدبيين ، السيمياء الثقافي/ جريدة الأيام الإلكترونية
النص الأدبي نظام من العلامات اللغوية ، وهو نفسه علامة لغوية . والعلامة اللغوية وحدة لغوية تتألف من دال ، أي الصورة الصوتية، أو معادلها الكتابي ، والمدلول ، أي المفهوم ، أو المعنى الذي يكوِّنه الدال في وعي المتلقي .
تحليل النص الأدبي يعني وصف الدال وتبيُّن خصائصه . والاكتفاء بهذا الصنيع لايعدُّ نقداً أدبياً ، اذ ينبغي ، ليغدو تحليل النص الأدبي نقداً أدبياً ، أن تكتمل دراسة العلامة اللغوية ، فبعد وصف الدال ، يُتبيَّن سرّ مدلوله وخصائصه ، وتعدُد مدلولاته ، ان كان الدال يتيح ذلك .
بغية انجاز هاتين المهمتين ، يُستخدم المنهج البنيوي في وصف الدال ، والمنهج التأويلي ، أو السيميائي الثقافي في تبيُّن سرِّ المدلول .
في شأن هذا المنهج الأخير، يخلط كثيرون بين السيميولوجيا = La sèmiologie والسيميائية = La sèmiotique , وبين سيمانتيك = sèmantique .
للتمييز بين هذه المصطلحات يمكن القول بإيجاز تقتضيه هذه المقالة القصيرة : ان السيميائية هي معطى علمي أميركي ، يعني علم العلامات العام ، وان السيميولوجيا هي معطى علمي أوروبي ، يعني علم العلامات اللغوية ، وان السيمانتيك يعني علم الدلالة ، وهو علم يبحث في المضمون اللغوي ، وفي معجمية لغة ما ودلالات الكلمات فيها ، وخصوصاً التبدُّل الذي يطرأ على معانيها بمرور الزمن .
ان أردنا انجاز المهمتين اللتين ذكرناهما اَنفاً ، ينبغي أن نستخدم المنهج السيميائي ، والنوع الثالث من أنواعه الثلاثة ، وهي : ١. الأيقونة ؛ حيث تشبه العلامة مايمثلها ، مثل الصورة الفوتوغرافية لشخص ما . ٢. المؤشر ؛ حيث تقترن العلامة مع مايدل عليها ، مثل الدخان الدال على النار . ٣. الرمز ؛ حيث يرتبط الدال بالمدلول اعتباطياً ، أو عرفياً ، أو تأويلياً . والارتباطان : العرفي والتأويلي تقتضي معرفتهما وضع العلامة = النص في سياقها التاريخي – الثقافي .
نحتاج ، ونحن نستخدم المنهج السيميائي الثقافي الذي يرى العلامة اللغوية رمزاً ينبغي تأويله ، الى أن نقدِّم مثالاً يوضح ذلك ، وهذا ماسوف أفعله .
يقول جرير في قصيدة = نقيضة يهجو بها الفرزدق ، ( اجتزاء بيت من القصيدة ودراسته ، يأتي على سبيل تقديم المثال فحسب ) : فان مجرَّ جعثن كان ليلاً
وأعينُ كان مقتله نهارا ...
في تحليل هذا البيت نرى أنه موزون مقفى ، ويتألف من جملتين مركبتين بسيطتي التركيب ، ليس فيهما انزياح تركيبي . وهما جملتان خبريتان تقدمان خبرين واضحين ، ويبدأ بالتوكيد ، ويتميز بوفرة المحسنات اللغوية ، وهي ثنائيات : مجرّ = مقتل ،
جعثن ، امرأة ، أخت الفرزدق # أعين ، رجل ، عم الفرزدق ، ووالد زوجته النوار .
ليل# نهار .
وتكرار كان .
ان اكتفينا بهذا ، نكون قد قدمنا وصفاً للدال ، والملاحظ أن ليس فيه شعرية / أدبية .
وان أكملنا ، واعتمدنا منهج السيمياء الثقافية الذي يبحث في الارتباط التأويلي الذي يضع النص في سياقه التاريخي والثقافي ، نرى مايأتي : يورد جرير حادثتين متعلقتين بخصمه الفرزدق بكل بساطة ، لكنه بروايته هاتين الحادثتين اللتين تبدوان شديدتي البراءة ، يثير قضيتين من أهم القضايا عند الفارس العربي ، وخصوصاً لدى الفرزدق الذي كان شديد الاعتداد بنفسه وقومه ، أعني بهما العرض والثأر : عرض جعثن التي جُرَّت ليلاً ، والثأر لأعين الذي قُتل نهاراً . وتتمثل الشعرية / الأدبية في المقابلة بين الليل والنهار ، ليس من حيث البديع ، الطباق ، فحسب ، وانما من حيث توظيف مدلولها العرفي ، الثقافي ، المضفي على كل قضية ذروة تطورها الهجائي ، فجعثن ، المرأة ، أخت الفرزدق ، تُجرُّ ليلا ، وهذا دال يولد مدلولات كثيرة ، أي يتيح لخيال المتلقي أن يتخيل مافعله الذين جرُّوها في الليل الى مخادعهم بها ... ، وأعين ، عم الفرزدق ووالد زوجته ، أحد شيوخ قبيلته ، يقتله الأعداء في النهار ، أي أن قتله معروف للجميع ، ولا سبيل لإنكاره ، ومع هذا لم يُثأر له . ويأتي تكرار كان ليفيد أن هذا حدث ، في الماضي ، وقد مرَّ الزمن ، ولم تثر نخوة الفرزدق وقومه ، ولم ينتقموا ممن جرُّوا جعثن ، ولم يثأروا ممن قتلوا أعين .
وهذا يعني أن الجملتين الخبريتين تخرجان / تنزاحان عن مدلولهما الخبري الى مدلولات هجائية تتوالد في وعي المتلقي وخياله ، ويُترك له أن ينتج خطاب النص ، ولكلٍّ أن ينتج خطابه ، وهكذا تتعدَّد الخطابات ، أو تأويلات النص الواحد . وبهذا تتمثل قمة الشعرية / الأدبية في هذه البراءة الخبرية المولدة مدلولات كثيرة ، وفي استخدام المحسنات البديعية ، التي أرى أنها جاءت تلقائياً ، في هذا السبيل ، ولم نكن نعرف هذا لولا استخدام منهج بنيوي سيميائي ثقافي.
*د. عبد المجيد زراقط -أكاديمي - ناقد أدبي - قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- إقليمي ودولي
