28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

في النقد كل اثنين مع عبد المجيد زراقط | النقد الأدبي المعياري /جريدة الأيام الإلكترونية

في النقد كل اثنين مع عبد المجيد زراقط | النقد الأدبي المعياري /جريدة الأيام الإلكترونية النقد الأدبي المعياري هو النقد الأدبي الذي يصدر عن معيار مُسبق ، مُحدَّد سلفاً ، في الرؤية الى الظاهرة الأدبية ، والحكم عليها .
يمكن أن نقدِّم أنموذجاً لهذا النقد من تاريخ الأدب العربي ونقده ، فنعود الى رؤية النقاد الى ظاهرة شعرية عرفها هذا التاريخ ، وهي ظاهرة شعر عمر بن أبي ربيعة . سمع كثيِّر عزّة قصيدة لعمر جاء فيها :
ثم اسبطرَّت تشتدُّ في أثري ، تسأل أهل الطواف عن عمر...
فقال له : " انك لشاعر لولا أنك تشبِّب بالمرأة ، ثم تدعها ، وتشِّبب بنفسك . ألا قلت كما قال الأحفص :
أدور ، ولولا أن أرى أم جعفر بأبياتكم مادرت حيث أدور ... ويسمع ابن أبي عتيق أبيات عمر :
بينما ينعتنني أبصرنني ، دون قيد الميل ، يعدو بي الأغر ، فقالت الكبرى : أتعرفن الفتى ؟
قالت الوسطى : نعم هذا عمر .
قالت الصغرى ، وقد تيَّمتها :
قد عرفناه ، وهل يخفى القمر !؟
فيقول له : أنت لم تنسب بها ، وانما نسبت بنفسك ، كان ينبغي أن تقول : قلت لها ، فقالت لي ، فوضعت خدي ، فوطئت عليه " .
وسمع عبد الله بن الزبير قول عمر : رأيت رجلا أمَّا اذا الشمس عارضت / فيضحى ، أما بالعشي فيخصر . فعلَّق : " فيخزى ، وأما بالعشي فيخسر ".
وقيل :
" ماعُصي الله بشيء ، كما عُصي بشعر عمر بن أبي ربيعة " .
قال نقاد ، عندما أنشد عمر قصيدته : " أمن اَل نعم أنت غاد فمبكر " التي يبدأ بها بالطللية ، ويعارض قصيدة امرئ القيس : " مازال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر " ، وذلك لأنه لم يكن قبل هذه القصيدة يبدأ بمقدمة طللية .
نلاحظ ، في هذه الأحكام النقدية المعيارية ، ثلاثة معايير : أولها معيار شعري يقرر ماينبغي أن يكون عليه الغزل ، وثانيها معيار عَقدي ديني يقرر ماينبغي أن يكون عليه مضمون الشعر ، وثالثها معيار زمني بنيوي ، في الوقت نفسه ، يقرر ماينبغي على الشاعر أن يتبعه عندما ينظم قصيدته ، وهو تقاليد القدماء . يتمثل النقد المعياري ، كما يبدو ، في قول الناقد الذي يعتمد هذا المنهج في القول : كان ينبغي أن تقول ... ، استنادا الى معيار / قاعدة يصدر عنه وعنها في رؤيته وحكمه .
لكنَّ تاريخ الأدب ونقده يفيد أن الأديب الذي كان يصدر عن تجربته الحياتية المعيشة التي تمثل روح عصره ، كان يبدع الجديد المتفرد ، ويمثل ظاهرة تؤتي بالجديد الذي يُقبل عليه المتلقون ، ويعجبون به ، على الرغم من نقد النقاد المعياريين ، وهذا ماحققه عمر بن ابي ربيعة ، اذ يروى أبو الفرج الأصفهاني أن الحجازيين لايزنون بعمر بن أبي ربيعة شاعراً من أهل دهره في النسيب ، ويستحسنون منه ماكانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه ... . وهذا يعني أن هذا الشاعر غيَّر في معايير الشعر في عصره ، وهذه هي مهمة الشاعر الكبير ، وقدرته على الاتيان بالجديد الجيد القادر على انتزاع الاعجاب واستحسانه ، وان كان مخالفاً للتقاليد السائدة والمقاييس المتَّبعة ، وأصدق دليل على ذلك تغيُّر موقف ابن أبي عتيق الذي قرأنا حكمه السابق ، فقد أقرَّ هذا الناقد بجمالية شعر عمر ، فقال : " لشعر عمر نوطة في القلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر... " .
ومن الأخبار التي تدلُّ على فرح المتلقين بشعر عمر ، نذكر نماذج ممَّا جاء في كتاب الأغاني :
" سمع ابن عباس ( الصابي المعروف بحبر الأمة ) لعمر ، وعنده الخوارج يسألونه . وكان يسأل ، هل أحدث هذا المغيري ( عمر بن أبي ربيعة ) شيئا بعدنا ؟ " ." يسمع طلحة بن عبد الله بن عوف قصيدته : أمن اَل نعم ، وهو شانق ناقته ، ثم يأمر ، فتُكتب له ، وهو على هذه الحال " . يكتب أحدهم شعره ،" ويده ترتعد من الفرح ".
ولم يكن اهتمام المتلقين بشعر عمر مقتصراً على الرجال وحدهم ، فالنساء كنَّ أرغب فيه ، وأشد شوقاً اليه . وممّا يدل على ذلك قوله على لسان احداهن :
أومت بعينها من الهودج : لولاك ، في ذا العام ، لم أحجج...
( للمزيد : راجع الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ، ١/ ٧٣- ١٠٨ وديوان عمر ، ص. ٨٠) .
وهذا يعني أنَّ هذا الشاعر ماكان ينشد تجربة شخصية فردية فحسب ، وانما كان ينشد تجربة مجتمع في مرحلة تاريخية من مراحله ، وهذا هو شأن الشاعر المبدع الكبير في كل مكان وزمان أن يتمثل واقعه ، وأن يمثِّله ابداعاً جديداً يتجاوز السائد ومعاييره .
د. عبد المجيد زراقط - أكاديمي- ناقد أدبي - قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية