د. محمد علي شمس الدين | شارل بودلير (1821_1867) المتلاطم الابدي / جريدة الأيام الإلكترونية
يلوح لي ونحن على بعد مئتي عام من ولادة شارل بودلير أطياف سوداء كجناح غراب تحوم فوق جسده الهزيل وملامحه المعروقة وهو واقف في عراء الزمن... لعلها اتية من ناحية ادغار الن بو صاحب قصيدة " الغراب" " ذات مرة / في منتصف ليل موحش /. جاء ودق باب حجرتي..." والن بو الاميركي(1809-1849) عاش في زمن بودليرومثله مات عن عمر متقارب... يذكر بودلير الذي ترجم اشعار ه الى الفرنسية. " انه يشبهني...".... سأضيف هنا على مسافة الزمن ايضا وربما. أطياف دانتي في الجحيم والمعري من ظلمات القرون الوسطى.وربم أطياف من نواحي فإن غوغ. ..تجمعهم جميعا ببودلير سويداء واحدة وجودية.. كان اعمى المعرة مصابا بألم العقل ورأى في خلاصة احساسه انه كان من الأفضل عدم الوجود على الوجود... نحدق في اوصاف الشاعر كما كتبها بودلير في قصائد ديوانه " ازهار الشر" . ( les fleurs du mal) لنجد اوصاف الشاعر فيها اوصافا جحيمية .. او مرضية. سيما انه يهدي ديوانه الى " تيوفيل غوتييه" " الشاعر الكامل / الى الساحر الكامل...." بقوله : " je dedie ces fleurs maladives".... اي هذه الازهار المرضية او العليلة. .... وفي القصيدة الاولى " الى القارئ" " الحماقة والضلال والخطيئة والشح تشغل اذهاننا....". على وسادة الشر الشيطان المقيم ثلاثا هو الذي يهدهد طويلا روحنا المفتوحة. . في كل يوم نحو الجحيم نهبط خطوة.. " وينهي" الضجر وحش
انت تعرفه ايها القارئ / هذا المسخ اللطيف / ايها القارئ المنافق / يا نظيري ويا اخي" (ازهار الشر / بودلير /نقله الى العربية محمد عيتاني /دار الفارلبي1987. نص 1861).. في سائر القصائد يبدي بودلير الرعب من ولادة الشاعر يذكر" القرف اللزوجي.." ويسميه" المسخ النحيل.. " وانه في" عمق نار جهنم.. " وهي اوصاف دانتية او معرية بالأحرى.. قبل ان يعود ويمجده بانه " الطفل المحروم يثمل من الشمس /يلعب مع الريح / ويتكلم مع السحابة / ويسكن مغنيا في درب الصليب.../ ذلك لانه لن يصنع الا من ضوء نقي مستمد من المصدر المقدس للأشعة الأولية.. "....
سيكون من المهم ملاحظة تأسيس الشعرية البودليرية على ضديات تتبادل الادوار وتتناهش بلا انقطاع... يقول في" ازهار الشر " :" انا الجرح والسكين /... والضحية والجلاد " وان النقيض عنده هو عين نقيضه. ( كشبه صوت النعي بصوت البشير في كل ناد)..فالتناقض عنده ليس احساسنا بالوجود كالعدم وحده بل يظهر كاساس للمعرفة.. يكتب في تقديمه لمعرض رسم فيلوكسين بويير " ان تعرف يعني ان تتناقض.. ثمة درجة من عدم التناقض لا يرقى اليها شيء سوى الكذب" ( شارل بودلير / اليوميات / ترجمة ادم فتحي / دار الجمل 1999)...ولعل بودلير دفع بمسالة التهاتر والضدية الى اغوار وجودية متاججة في كتاباته ومواقفه الشعرية والسياسية والنقدية وغالبا ما كان يذكر في يومياته وأوراقه كلمة" الداندية ".. فهو" داندي... " وكلمة (dandy) غامضة المصدروتنطوي على اىمخاتلة والداندي روح جريحة او حياة ضيقة موحشة باعثة على السام
والداندية" كحزمة حرائق تغتذي بنارها وبها تموت" ( ادم فتحي / اليوميات) .... يقول في اليوميات ":" على الداندي ان يعيش ويموت امام المراة ".. حيث في المراة يظهر الوجه والقفا في وقت واحد...وهذا التهاتر يلوح في النفس ويظهر في الخارج في الفكرة والشعر والنقد والسياسة
فالداندية" مرايا حجر الجمال المتعاكسة " ( على غرار حجر الفلسفة)" والاديب عدو العالم " (قلبي عاريا / الشذرة 29). و" البطل الحقيقي يلعب وحيدا" ( قلبي عاريا / الشذرة 9)... كما أن الداندي لا يصنع شيئا يقدس الكسل..والداندي كالشيطان لكنه ليس الشيطان.. بالطبع رغم هذه العبثية المطلقة كان بودلير كغلغامش باحثا عن عشبة الخلود. وظهرت دانديته الكاسحة في تفاصيل يومياته واشاراته كما في اشعاره وفي أفكاره السياسية في باريس بعد الثورة الفرنسية 1789 في أيام نابليون الثالث كان بودلير عدوا لدودا لافكار عصر الانوار : الديمقراطية الحرية العلمانية. العدالة... الخ. كل ذلك برأيه انتهى ليتحول الى لوثة دماء تجري في الشوارع ومقاصل تنصب. وجه صواريخ في كل اتجاه للأمة والشعراء الكلاسيكية والرومانسية والبرناسية.. وراى ان العبقري يولد رغم انف الأمة شعره شبيه بالمجوسي الذي يعبد النار ويحترق فيها.. يتقزز من الحياة وينتشي بها. او كما يقول سارتر في كتابه عن بودلير " فيه رغبة الطفل ان يعاقب ليلفت الانتباه" ( صادر عن غاليمار).. كان يطلق على الحياة اسما اخر " الانتحار" و كتاباته ذات استراتيجية انتحارية واضحة هو الذي مجد لائحة المنتحرين من الكتاب والشعراء والفنانين.... يعيش ويتحرك ب" عقدة الناجي الاخير" باحساس بعبثية الحياة وضرورتها صعلوك ونبيل.. ضحية وجلاد الفن بغاء والازدهار مرض.. لذة الحب اتيان الشر. وقد ابتكر جمالية التشويه... فهو لا يرى الجمال بريئا وصافيا والشيء جامد الى ان يلحقه التشويه... وفي تعريفه للجميل يضيف اليه صفات اىتاجج والحزن والتناقض ويكتب : " قلت لاضف لشروط الجمال التعاسة" فكل جميل ملتبس. وهو ملحد وصوفي في ان... يكتب : " لو فقد الدين من العالم لوجدته حاضرا في قلب ملحد"
2_ بودلير.... المتلاطم الابدي
يظهر لي بودلير الان في هذه اللحظة من العام2021. على صورة المتلاطم الابدي" البحر" هو الذي قال في إحدى قصائده من "ازهار الشر " :" كن حرا كالبحر ".. وانني إذ استعيده هنا بالتفاصيل واليوميات والاشعار. فلانه بالفعل يتلاطم في جسدي كموج ازلي تلاطم اعمى المعرة وابي حيان التوحيدي وفان غوغ وحافظ والحلا ج..... والحال انه يصعب فصل يوميات هذا الشاعر ومسوداته عن مشاريعه التحويلية الكبرى. فقد ترك لنا عددا من الكتب اهمها ديوانه الشعري الموزون " ازهار الشر" او" ازهارالعلة" وافضلها... صدر لاول مرة العام 1857وكان عمره . 36عاما بعد ان رفضه عدد من الناشرين. صدر من ستة اقسام : السأم والمثالية / لوحات باريسية / الخمرة / ازهار الشر / التمرد / الموت..... كتب الصحفي في الفيغارو غوستاف غوردان حوله ما يلي :".. انه كريه ووضيع يثير القرف والاشمئزاز.... صفحات بمثابة عرض كامل للشياطين والابالسة والقطط والبراغيث....." واحيل بودلير وديوانه الى المحكمة فصدر حكم بتغريمه300فرنك وشطب ست قصائد منه هي 20/30/39/80/81/87...عومل ككتاب ملعون ولم يرفع عنه الحرم الا العام1949بعد موت الشاعر ب87 عاما. صدرت منه طبعات لاحقة معدلة الاعوام 1861/1866/1868... عاما بعد وفاة بودلير الكتاب الثاني الذي ترك أثرا لبودلير هو " spleende Paris" سويداء باريس.. وسبلين لفظ انكليزي معناها الطحال واتفق على التسمية المرضية للمنخوليا سويداء.. نصوص هذا الكتاب قصائد نثر رمى فيها بودلير الى تاليف كتاب من الناحية الاخرى يستكمل به ديوانه الموزون " ازهار الشر" وفكرته الاساس السؤال الذي كان طرحه في يومياته " هل يمكن اشتقاق قصيدة من النثر".. قصيدة تكون ابنة تناقضاته وتناقضات زمنه المدني حيث كانت باريس تستكمل حلتها الجديدة والحياةفيها تتغير والايقاع يتغير .. يقول بودلير في واحدة من قصائد سويداء باريس :" من هذا الثقب الاسود او المضيء الحياة تحلم.. الحياة تتألم.. الحياة " وكانه يستعيد معنى قصيدته في" ازهار الشر " "المتسولة الشقراء" يصف فيها ثقبا في ثوبها يكشف عن فقرها وجمالها في وقت واحد.... قصائد " سويداء باريس" تتصف بالشذرية والتناقض والانتقال المفاجئ من حال لاخر... وهي قصائد نثر حاول من خلالها بودلير ان يمشي عكس التيار لا كمتسكع بل كمستطرق flaneur يستعرض الواجهات والشوارع بحاسته التشكيلية السوداء... بالطبع قصائد" السويداء" تفتقد للوزن والايقاع الذي كان يتقنه بودلير واستعمله في قصائد "ازهار الشر." .. وجاء ذلك مرتبطا بفكرته عن الحداثة... وترك من خلال ذلك ما يشبه العاصفة التي ما زالت تدوي على امتداد الكرة الأرضية " هل يمكن أن نكتب شعرا بالنثر". كان يرى في يومياته ضرورة الشعر في النثر.. ويمكن فهمه اكثر بالاستعانة بما نشر من اعماله بعد وفاته ... تلك الشذرات والملاحظات والمواد الأولية لافكار ومشاريع دونها كيوميات. Journaux وكان يعدها لكتابين وفصلين " صواريخ "es fus" و " نظافة" (hygiene" اما الكتابان فهما : "قلبي في عريه" او " قلبي عاريا" و " احقاد" كان كشف عنهما الستار لأمه من خلال رسالتين ارسلهما لها أحداهما في اول نيسان1861يشير الى انه سيضمن كتابه الموعود " كل احقاده " والثانية في 5حزيران 1868"كتاب احقاد ".. ورغبته في ان يوجه لفرنسا طاقته الحقيقية على الوقاحة. يكتب" بي حاجة للانتقام كحاجة الرجل المنتهك الى حمام ". لكنه لم يصدر في حياته ايا من الكتابين بل اضاف ملاحظات ويوميات. تحت عنواني صواريخ وقلبي عاريا لم يكن بودلير في نظري حين طرح فكرة قصيدة النثر وكتب نصوص " سويداء باريس" الا ذاته في ماهي عليه من تهاتر كل شيء والولع بالتدمير للبناء والضدية في كل شيء لم يخطر بباله إلغاء الوزن وابتكار طريقة لاوزنية للشعر الا من باب نرجسية داندية وسمت حياته وكتاباته.... إذ انه ابن الايقاع ونقيضه والتكامل في التضاد غايته وفحواه... يرى الناقد الفرنسي جان كوهين في كتابه " بنية اللغة الشعرية" وهو السني بنيوي ان اثر بودلير ليس قويا في فرنسا وان الوزن هو السائد ويرى موريس شابلان في مقدمة " مختارات من قصيدة النثر" انها نوع لم يجرؤ اي منظر ان يعلن قوانين لها " حتى ان سوزان برنار في كتابها" قصيدة النثر من بودلير الى اليوم " تعلن ان قصيدة النثر" مسالة شخصية" بالطبع ت. س. اليوت في دراساته عن الايقاع والموسيقى يقول بضرورة وزن خفيف يقترب اذا ابتعدنا ويبعد اذا اقتربنا ويجعل اوكتافيو باث الايقاع مسالة ميتافيزيقية.. واحمد عبد المعطي حجازي في كتابه" قصيدة النثر / القصيدة الخرساء / دبي الثقافية / نوفمبر2008") يرى ان قصيدة النثر ثمرة من ثمار الصمت" ( يعني الخرس) وانها خلية وحيدة اميبا بدائية لا هي ذكر ولا أنثى" ( ص66) وحجته خلوها من الايقاع الذي هو صوت اللغة في الشعر... لكن محمود امين العالم يرى ان النقلة الحقيقية في الشعر العربي لا تتمثل في الانتقال من الأوزان الخليلية التقليدية الى التفعيلة بل في استخدام الصورة استخداما جديدا بنائيا ثم بدات تجربة التطور في الايقاع والنعم مع تطور إيقاع الحياة ذاتها فلسنا في زمن البداوة والصحراء حتى نستوحي ايقاعاتنا من القع الترتيب لخف الجمل على الرمال . فالايقاع ليس قيمة ثابتة مطلقة إنما هونسق يختلف باختلاف الأوضاع. " قصيدة النثر ص119)..
بودلير بفكرته ونماذجه عن قصيدة النثر حرك مياها في الشعرية وارتباطها بالصوت والايقاع لا تزال دوائرها تتسع حتى اليوم.... ولعل نظرات متعددة له كمتمرد اومتماوج ابدي برزت بعد موته. كتب فيه بول فاليري كتابا واعتبر الايقاع للشعر كالرقص من المشي ويقصد بالايقاع الوزن... وكتب فيه جان بول سارتر كتابا حدق اليه فيه ككائن وجودي " رجل عاكف على ذاته. " " ينظر لكي يرى نفسه تنظر" وان " بينه وبين الاشياء تندرج شفافية دبقة translucide. هو رجل بدون" فورية " يقصد ان العالم ليس شيئا بالنسبة له بل هو صورته هو الداخلية عن العالم وهي نرجسيته الوجودية .. والسأم المحض من العالم الذي يتحدث عنه فاليري لدى بودلير هو "الطعم الذي يحسه الشخص بنفسه لنكهة الوجود" ( ينظر بودلير لجان بول سارتر / غاليمار)...
رفض بودلير ان يكتب اي شيء أو أي حوار مع منتقديه في ما يشبه مقدمة طبعة" ازهار الشر" الثالثة.... لا فائدة البتة من اي حوار او رد.... وفي الوقت الذي يثوي فيه بصمت في قبره الكئيب المتواضع تعلو ضوضاء في العالم حول قصائده وغاياته
يرى عبد القادر الجنابي في مقال له ( في موقع إيلاف) ان ما بقي من بودلير قصائد النثر في سويداء باريس وما بقي من رمبو اشراقات النثر لا المركب السكران وما بقي من بول كلوديل المد النثري في كتابيه " معرفة الشرق" و"الطير الاسود في الشمس الطالعة" ومن ماكس جاكوب " كوبالبار". لتتمجد قصيدة النثر التي انكرها ادونيس ثلاثا قبل صياح الديك وقال فيها انسي الحاج في اخر أيامه " الشعر هو كل اشكاله" وهجاها حجازي حتى الموت
د. محمد علي شمس الدين - شاعر وناقد أدبي
- علامات:
- إقليمي ودولي
