د. عدنان منصور| إسقاط النظام الإيراني: الهدف الضائع لواشنطن على الدوام/ جريدة الأيام الإلكترونية
لم تتعرّض دولة في العالم لمثل ما تعرّضت له إيران على مدى 46 عاماً ولا تزال، من حصار خانق، ومؤامرات وعقوبات شرسة، اقتصادية ومالية وتجارية، وسياسات عدائية سافرة، ترمي على الدوام إلى زعزعة الأمن الإيراني، وتأجيج الاضطرابات، وزرع شبكات تجسّسية أفرادها من الداخل والخارج، واللعب على وتر القوميات، وتحريض الإيرانيين على العصيان والانقضاض على النظام، للإطاحة به بأيّ شكل من الأشكال.
لم يتقبّل الغرب يوماً، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ومعها أنظمة حليفة لها، وجود نظام حدّد هويته الوطنية منذ اللحظة الأولى لقيام جمهوريته، وأصرّ على التحرر من قبضة قوى الهيمنة الخارجية، وبالذات من القبضة الأميركية، وسحبه الاعتراف بالكيان “الإسرائيلي”، ودعمه للقضية الفلسطينية، وحق شعوب المنطقة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، واتباعه نهجاً سياسياً مستقلاً، رافضاً التدخل في شؤونه من أيّ جهة كانت.
هذا الأمر وضع النظام الإسلامي الإيراني وجهاً لوجه أمام الغرب، الذي لم يتقبّل يوماً وجود نظام “متمرّد” كهذا في غربي آسيا حتى لا تنتقل عدواه، إلى دول في المنطقة تدور في الفلك الأميركي، مما يؤثر على المصالح الاستراتيجية لواشنطن فيها، حيث لا يمكن لها التفريط بها، لا سيما أنّ إيران بلد نفطيّ وغازيّ كبير سبق لواشنطن ولندن أن تعاطت مع طهران بكلّ قوة، بعد أن أمّم رئيس الوزراء محمد مصدق النفط الإيراني عام 1952. تأميم لقيَ ردّ فعل سريعاً من قبل أميركا وبريطانيا، تمثل بحصار إيران ومنعها من تصدير نفطها، والعمل مع المجموعات المسلحة المرتبطة بنظام الشاه، وبأجهزة الاستخبارات الغربية للإطاحة بمصدق وحكومته. تولّت المخابرات الأميركية CIA، والبريطانية AM6هذه المجموعات، ونفذ عمليتها التي عُرفت بعملية AJAX، عميلا الـ CIA كرميت روزفلت ومايلز كوبلاند، أدّت إلى الإطاحة بمصدق واعتقاله، والحكم عليه بالسجن، ووضعه لاحقاً في الإقامة الجبرية مدى الحياة!
بعد الإطاحة بمصدق، جيء بفضل الله زاهدي رئيساً للوزراء الذي وقع مع مجموعة من الشركات النفطية الغربية يوم 18 أيلول/ سبتمبر 1954، اتفاقية تعهّدت فيها إيران ببيع نفطها إلى شركات أميركية، وبريطانية، وهولندية وفرنسية، مدتها 25 عاماً، والتي ستقوم باستخراج وبيع النفط. بموجب هذا الاتفاقية أصبحت حصة النفط الإيرانية البريطانية 40%، والأميركية 40%، والهولندية (شل) 14%، والفرنسية 6%.
على مدى 46 عاماً لم تستطع الولايات المتحدة إسقاط النظام الإسلامي الإيراني على غرار ما فعلته مع مصدق عام 1953 رغم الحصار الشديد والعقوبات الخانقة، وإثارة الاضطرابات والقلاقل، وتحريك ودعم الحركات الانفصالية المسلحة في بلوشستان وسيستان، وفي الأحواز، والمناطق الغربية في كرمنشاه، وغيرها من المحافظات الإيرانية.
على مدى 46 عاماً لم تتوقف واشنطن عن عدائها المطلق لإيران وإصرارها على خنق اقتصادها، والعمل على إسقاط نظامها. لم تستطع عقوبات كارتر، ولا قانون داماتو، ولا العقوبات الأمميّة التي كانت وراءها واشنطن، ولا القرارات الأحاديّة الجانب التي فرضتها على إيران مجبرة دول العالم على التقيّد بها، ومهدّدة بفرض العقوبات عليها إنْ لم تلتزم بها. لم تستطع العقوبات الغربية المتلاحقة كسر الإرادة الوطنية لإيران أو النيل من عزيمة شعبها، وحرية قرارها، رغم التداعيات القاسية التي أثرت كثيراً على اقتصادها ومعيشة شعبها وتنميته البشرية.
لم تستطع الاغتيالات التي طالت قادة عسكريين وسياسيين، وعلماء إيرانيين، ولا العدوان العسكري الأميركي الإسرائيلي الأخير على إيران، تحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب في إسقاط النظام أكان ذلك من الداخل أو الخارج. لقد خبر الإيرانيون جيداً على مدى أكثر من قرنين سياسات الغرب تجاه وطنهم، بعد أن ذاقوا منه الأمرّين، إذ لا تزال ذاكرتهم تختزن بما فعلت بهم بريطانيا وأميركا سابقاً، وما تريدانه حالياً من إيران لإسقاط نظامها، ونهب ثرواتها، والهيمنة عليها، والتحكم بقرارها من جديد، ومن ثم ضمّها للحلف الإبراهيمي.
الإيرانيون يدركون جيداً بوعيهم وحسّهم وانتمائهم العميق لوطنهم، ما تريده واشنطن وتل أبيب منهم. لذلك صمّم الإيرانيون على الدفاع عن بلدهم، وعدم الخضوع لتجار الحروب والمدمنين عليها. فهم رغم معاناتهم الشديدة من العقوبات، لم يستسلموا ولم يرضخوا، بل إنهم يعرفون جيداً حقيقة ما يُبيّت لهم. إذ انّ تجاربهم المريرة مع أميركا، عزّزت في داخلهم إرادة التحدي، والصبر، والصمود حتى النهاية، وإنْ حشدت ضدّ إيران ما هبّ ودب من أعداء النظام والعملاء والمرتزقة الذين توجّههم وتديرهم لإثارة الفوضى، والعنف والشغب.
لقد سقطت منذ عام 1979 كل محاولات واشنطن لإسقاط النظام، ليتبيّن للعالم كله أنّ إيران ليست دولة هشة كالدول التي ارتضت أن تسير في ركابها وترتمي في أحضانها، وأنّ إخضاعها مستحيل. إذ كلما اشتدّت الضغوط والعقوبات عليها، كان الإيرانيون يقفون بكلّ قوة وراء نظامهم، وهم أكثر وعياً، ودعماً، وتأييداً، ومعرفة بحقيقة سياسة الغرب العدائية إزاء بلدهم. ما يجري اليوم في إيران على يد مثيري الشغب، وعملاء الخارج، والجماعات الانفصالية المسلحة، ليس بجديد أو مفاجئ لإيران وقادتها، فهم يعرفون جيداً أنهم في مواجهة مباشرة مع القوى الغربية، طالما انّ سلوك ونهج واشنطن إزاء إيران لم يتغيّرا. لذا تجد طهران نفسها بين خيارين: إما الركوع وإما الصمود بقوة في وجه المتربّصين بها، والعاملين على إسقاط نظامها، مهما كان غالياً الثمن الذي ستدفعه.
يتساءل الإيرانيون والمتتبعون للأوضاع الإيرانية الحالية، هل الاحتجاجات على الوضع الاقتصادي والمعيشي، تبرّر سلوك المحتجّين في استخدام القوة، واستهداف المرافق الحيوية، والاعتداء على المقدسات، وارتكاب جرائم القتل في الشوارع؟ هل المطالب الاجتماعية والمعيشية تتطلب اللجوء إلى العنف، وحرق المساجد والحوزات، والمقامات ودور السكن، وسيارات الإسعاف والإطفاء، وإثارة الخوف في نفوس المواطنين؟! ألا تمزّق هذه الأفعال النسيج الوطني وتأخذ إيران إلى صراع داخلي دامٍ؟! ألا يريد المحتجون من أفعالهم، وسلوكهم إشعار واشنطن بولائهم لها، وانهم بانتظار تدخلها السياسي والعسكري، عبّر عنه ترامب بدعمه لهم، واستعداده للتدخل العسكري؟! الاندفاع الأميركي الإسرائيلي على استخدام القوة، ودعم العملاء، وأعداء النظام في الداخل، بغية إسقاط النظام الإيراني، لن يكسر إرادة الإيرانيين، ولو أدّى العدوان إلى إلحاق دمار كبير في المنشآت والبنى التحتية، وقتل المدنيين. لو كان الحصار والاعتداءات الخفية والظاهرة تنال من عزيمة إيران، لرضخت طهران قبل اليوم لمطالب واشنطن. لذلك، ستستمرّ طهران في التصدي لسياسات الحلف الأميركي الإسرائيلي، ولن تتوقف عن اجتثاث البؤر المسلحة، وملاحقة العناصر المشبوهة التي تديرها دول، وتوجهها أجهزة استخبارات عديدة، وتروّج لها وسائل إعلام خارجية مغرضة ضدّ إيران، أصبحت مكشوفة أمام الجميع.
قد يعتقد الرئيس ترامب أن ما حققه في فنزويلا، يستطيع تحقيقه بالقوة الاقتصادية أو العسكرية، لاسقاط إيران والتحكم بها، وبثرواتها. لكن الايام المقبلة ستبدي لنا، ما إذا كان ترامب سيجنح وحده أو مع “إسرائيل” للخيار العسكري، أو اللجوء إلى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية، لإكراه إيران، وجرّها إلى مفاوضات يحدّد بنودها وجدولها وشروطها!
إنّ الخيار العسكري لن يسقط النظام الإيراني، ولن يوفر مطلقاً للمنطقة الأمن والاستقرار، إنما يؤجّج الصراع، ويدخل شعوبها في نفق مظلم طويل! هل حققت حروب أميركا و”إسرائيل” في منطقة غربي آسيا الاستقرار والأمن لدول وشعوب المنطقة، أم أنّ واشنطن آثرت أن تُمسك بخيوط المشكلة، وتحركها وفق استراتيجيتها دون حلها بالكامل، كي تبقى المنطقة أسيرة ورهينة لها، تتخبّط بالفوضى، والفقر، والحروب الأهليّة المزمنة؟! لقد أدرك الإيرانيون حقيقة ما جرى لبلدهم، وشعروا بخطورة الأحداث التي خرجت عن المطالب المعيشية والاجتماعية، والتي تهدّد إيران بالصميم، وتدفعها للمجهول. لذلك خرجت الجماهير في شوارع مدن إيران، تعرب عن وقوفها إلى جانب النظام، وتندّد بسياسة البلطجة للدولة العظمى التي آثرت أن تنتهج قانون الغاب، غير عابئة بالأمم المتحدة وميثاقها، وقراراتها، ولا بالمجتمع الدولي بكل ما فيه!
رغم كل محاولاتها على مدى 46 عاماً، أيقنت أميركا أنّ حصار النظام الإيراني وإسقاطه يصعب تحقيقه، لذا تحاول اليوم إسقاطه من الداخل، ومن خلال إثارة العصيان ونشر الفوضى، على يد الجماعات المسلّحة الانفصالية التي ترعاها، وتديرها وتوجهها.
لا خيار أمام إيران إلا إحباط المؤامرة في الداخل، كما أحبطت مؤامرات الخارج، وستثبت الأيام المقبلة أنها قادرة على حماية شعبها ونظامها، وإفشال التحركات التي تستهدف سيادتها ووحدة أرضها، ونسيج شعبها كما أفشلتها في السابق…!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
- علامات:
- إقليمي ودولي
