عبد المجيد زراقط، الوطن والغربة في الرواية اللبنانية.. روايات لِإملي نصر الله وعوض شعبان أنموذجاً / جريدة الأيام الإلكترونية
نحاول ، في هذه الدِّراسة ، تبيُّن تمثُّل "الوطن والغربة " ، في الرِّواية اللبنانية ، متَّخذين روايات لاملي نصر الله وعوض شعبان أنموذجاً . ويعود اختيار هذه الروائية وهذا الروائي الى أنَّ أعمال كلٍّ منهما الرِّوائية تصدر عن تجربة حياتية – روائية كوَّنتها الغربة ، فضلاً عن أنَّهما من كبار الرِّوائيين اللبنانيين المتميِّزين .
أولاً - الوطن والغربة في روايات لأملي نصر الله
١ . تعريف
تعدُّ املي نصرالله (١٩٣١ - ٢٠١٨ ). من أبرز الأديبات في الوطن العربي ؛ ذلك أنَّها أغنت الأدب العربي بإنتاج أدبي : روائي وقصصي وأدب أطفال وفتيان ومقالة وسيرة متميِّز ، بدءاً برواية " طيور أيلول " -١٩٦٢ ، التي نالت جائزتين : جائزة " أصدقاء الكتاب" وجائزة سعيد عقل ، عند صدورها ، وصولاً الى كتاب " الزمن الجميل " ، الصادر مؤخراً ، والذي تستعيد فيه وجوهاً قابلتها في مرحلة الخمسينيات ، من القرن الماضي، عندما كانت تعمل في مجلة " الصياد" (١٩٥٥ – ١٩٧٠ )، وقبل ذلك في مجلَّة " صوت المرأة " ، وكانت وجهاً من وجوه ذلك الزمن ، مروراً بحصاد تمثل في تسع روايات ، وعشر مجموعات قصصية قصيرة ، وسبعة كتب للفتيات ، وخمسة كتب للأطفال ، وستة أجزاء من " نساء رائدات " ، وخمسة أجزاء من " حصاد الأيام " ، ومجموعة شعرية واحدة .
املي نصرالله امرأة مثقَّفة ، دمثة ، وديعة ، منتمية الى وطنها وأهلها ، وخصوصاً الى القرية اللبنانية الجنوبية التي ولدت ونشأت فيها ، فهي جنوبية ، من قرية " الكفير " ، " بريئة براءة الجنوبيَّات الموجوعات " .
٢ - خصوصيَّة قصٍّ
كان لتجاربها الحياتية المعيشة دور أساس في كتابة رواياتها وقصصها، وخصوصاً تجربة هجرة الوطن والغربة عنه ؛ اذ هاجر أخوتها الى كندا ، فرأت اليهم كأنَّهم " طيور أيلول " التي تهاجر لدى اصفرار شمس الخريف .
تتمثَّل خصوصية روايات املي نصر الله وقصصها القصيرة ، أوَّلاً ، بأنَّ مادَّتها القصصية الأوَّليَّة مأخوذة من الحياة اليومية المعيشة ، وخصوصاً حياة القرية اللبنانية وهجرة أبنائها لها ، وثانياً بأنَّ هذه المادة الأوَّلية تتحوَّل ، لدى الكتابة ، الى قصٍّ يصدر عن الحياة القرويَّة المعيشة ، ويغايرها في الوقت نفسه ، ليرى اليها من منظور قصصي يقيم بناءً روائياً وقصصياً متخيَّلاً يكشف العالم الذي يصدر عنه ، ويرى الى قضاياه ، وأهمُّها قضية هجرة الوطن والغربة عنه .
٣ - القضيَّة الأساس
القضية الأساس ، أو محور القص ، في روايات املي نصر الله ، هو القرية اللبنانية الجنوبية ، في واقعها الحياتي المعيش ، من نحو أوَّل ، وفي كونها قرية فقيرة محرومة ، و" مكاناً طارداً " لأبنائه ، من نحو ثان ، أي في كونها مكاناً يفرض على أبنائه مغادرته للبحث عن مكان يوفِّر فرص العيش الكريم ، فيكون هذا المكان البديل بلاد الله الواسعة ، وان كانت المدينة / بيروت هذا المكان ، فهي في الغالب ممرٌّ الى " المهجر" ؛ اذ انها تكون كذلك " المكان الطَّارد " نفسه ، فتتمُّ الهجرة منها ، أيضا ، الى " بلاد الغربة " . القضية المركزيَّ ، اذاً ، هي قضية الفقد ، فقد المكان / فضاء العيش الكريم ، والسعي الى تعويضه بمكان بديل في بلاد "الاَخر" ، بعد فقده في بلاد "الأنا" .
انَّ " فَقْد المكان الصالح للزرع " ، في لبنان ، كما قال الروائي اللبناني ، يوسف حبشي الأشقر ، في روايته :" الظلُّ والصدى " يدفع اللبناني الى الهجرة ، لسبب أساس اَخر، لا يقل أهمية عن الأسباب السابقة ، وهو رفضه أن يكون " ظلَّاً وصدى للآخر" ، فيهاجر بحثاً عن هذا المكان المفقود ، فيعيش معانياً " الجمر الغافي " في بلاد الغربة ، كما يتمثل هذا الجمر الثاوي في أعماق الذات ، في روايتها التي تحمل الاسم نفسه ، بعدما عاش " الجمر المتَّقد " في الوطن ، فهو ، كما يبدو ، في هذه الرواية ، وفي رواياتها الأخرى يعيش معانياً " جَمْرين " ، ويتقلَّب على جنبيه بينهما ، في الوطن والغربة .
٤ - الاقلاع عكس الزَّمن
وان كان لابدَّ ، بغية التفصيل ، من النَّمذجة ، فإننا نختار رواية " الاقلاع عكس الزمن " أنموذجاً للدراسة ، لأنها تمثل تجربة كاملة ، تشمل تجربة الأخوة المهاجرين المفقودين في بلاد الغربة، والباقين الذين يجفِّفهم صقيع الغربة ، ويحرقهم جمر الشوق الى البلاد ... ، وتجربة الأبناء الناجحين والمخفقين في تلك البلاد ، وتجربة الأب الراغب في معرفة مصير أخوته ، ولقاء أبنائه وأحفاده الذين حالت الحرب دون زيارتهم وطنهم الأوَّل لبنان .
تبدأ الرواية بإهداء هو : " الى روحك الطيِّبة ، ياأبي ". يشير هذا الاهداء الى أنَّ " رضوان أبو يوسف " ، شخصية الرواية الرئيسية ، قد يكون شخصية واقعية ، ولعلَّه والد الروائية ، وما يعزِّز هذا الاحتمال أنَّ المؤلِّفة لاتصدِّر روايتها هذه بالإشارة التي تعوَّدت أن تصدِّر بها روايتها نافية واقعية الأحداث والشخصيات .
ينمو الحدث الأساسي ، وهو رحلة رضوان الى كندا، باطِّراد في سرد خارجي ، يرافقه ، في سرد داخلي ، حدث اَخر يروي رحلة رضوان في هذه الدنيا ، منذ أن خرج الى العمل فيها يتيماً . ينمو الحدث الأوَّل مشكِّلاً قصة الاطار ، محكوماً بمنطق زمني سببي ، وينمو الحدث الثاني ، استرجاعاً ، قاطعاً مسار الحدث الأوَّل ، محكوماً بمنطق سببي يتمثل بمثير الاسترجاع .
يستمر التناوب بين الحدثين طوال رحلة رضوان الى كندا ، ويتوقَّف عند الوصول ، فكأنَّ الرحلتين اكتملتا ، لكن لاتلبث أن تبدأ رحلة ثالثة هي رحلة التعامل مع العالم الجديد الذي جاء رضوان اليه ، وهو في الهزيع الأخير من العمر .
تبدأ الرواية بخروج رضوان من قريته : " جورة السنديان " الى سفارة كندا في بيروت ، ليحصل على تأشيرة دخول الى كندا ، وكانت قد وصلته رسالة يدعوه فيها أبناؤه المهاجرون الى كندا ، لزيارتهم . يسترجع من الماضي هجرة أخوته الى أميركا وانقطاع أخبارهم ، فيُنضج الشوق الى لقاء أبنائه وأحفاده والبحث عن أخوته قراره بالسفر . عندما يجلس في الطائرة المتهيِّئة للإقلاع ، يتذكر سهرة وداعه الحافلة بأبناء القرية جميعهم ، وفيها أعطته المجنونة " روزينا " حفنة من تراب " كرم الجورة " ،هديَّةً منها للشباب في المهجر . ويتذكر خلوَّ البلاد من الأنس ، بعد أن واصل العدو الإسرائيلي اعتداءاته .وتبدو له أسباب الهجرة واضحة : فقر وحرمان ، وفساد ، واعتداءات المحتل ، وشرور الحرب، ما جعل أولاده وكثيراً من أهل قريته يهاجرون من " الجحيم " الذي ما عادوا قادرين على تحمُّل سعيره ، ومن قبل مات والداه في مجاعة الحرب العالمية الأولى ، فهاجر أخوته من " جحيم" اَخر ، وغابوا ، فكأن " الجحيم " قدرنا في الحضور والغياب . ...ويمضي السردان : الخارجي والداخلي الى أن يصل ، فيلتقي أولاده ، وتعمر حفلة " الدبك " و" الرقص " ، وتقدَّم اطباق " التبولة " و" الكبَّ النَّيَّة " ... ، ويبدأ التعرُّف الى حكايات الغربة : حكايات أبنائه وأصدقائهم ، وعندما يستيقظ ، في صباح اليوم التالي ، بعد نوم متقطع ، لا يجد الشمس والطيور في استقباله ، فيقرر : هذه الدنيا غير دنياي . وعندما يقدِّم هدية " روزينا " للشباب تدمع عيونهم ، ويقرِّر ابنه نبيل أن يضعها في صدر الدار داخل اناء " كريستال" . لا يتمكن من التحدث الى أحفاده الذين يتكلمون الانكليزية ، فيثير هذه المسألة ومسألة الانتماء مع أبنائه ، ولا يصل الى نتيجة ، وتقول له ابنته نبيلة : لاتتعب ، ياأبي ، فأبناء هذه البلاد لهذه البلاد ،فيشعر بنوع من الفقد يوجعه ، ويتم التواصل بينه وبين المهاجرين القدماء : جبران عازف " المجوز" ، وشحادة رفيق العمر ، ومارينا ونجوى وشاهين ونبيهة ولمياء وابراهيم وولده سليم مختار "شارلتون"... ، ولكلٍّ حكاية " جمر غاف " . ثم سعى الى معرفة مصير أخوته ، فلبَّى دعوة راجي أخي زوجته ، الذي غادر البلاد منذ ستة عقود ، بعد أن نجا من سفر برلك . لايسفر البحث عن أخوته عن نتيجة . قبل أن يغادر ، تقام حفلة دبكة في نيويورك، يدبك فيها " دبكة " الخيبة كما يسمِّيها هو وكثير من مودِّعيه ، واذ يعود الى " شارلتون " ، ويرى طريقة دفن المختارسليم ، يقول ان هذا " المختار " مات مرتين ، ويقرِّر أن يعود الى قريته ، وتختار زوجته البقاء عند أولادها . يعود ، وبعد مدة من عودته يخطفه مسلَّحون ، ويقتلونه ، ويُشيَّع في يوم مشهود لم تشهد المنطقة مثيلا له من قبل .
٥ - دلالات
يمكن ، في ضوء هذه القراءة ، تبيُّن الدلالات الاَتية :
الوطن فريد الجمال ، يحبُّه أبناؤه ، وهم أناس طيِّبون أذكياء أقوياء ، يطمحون الى تحقيق ذواتهم وعيش حياة كريمة فيه .
تعود أسباب الهجرة ، من هذا الوطن الجميل، الى فَقْد فرص العيش الكريم فيه ، فهومكان / فضاء " طاردٌ لأبنائه " كأنَّه " الجحيم " غير الصالح للعيش، التي تحدث عنها رئيس البلاد في وصفه للواقع المعيش في هذه الأيام، فالعيش فيه غربة في الوطن .
الهجرة من هذا الوطن متواصلة ، بدأت منذ قيام الحرب العالمية الأولى ومجاعتها ، و " سفر برلك " الأتراك واضطهادهم ، وتخلُّفهم الذي أكسب المهاجر لقب " التركو" المهين . وتواصلت الهجرة مع الانتداب الفرنسي ، ثم مع نيل الاستقلال وقيام دولة الطوائف وزعمائها وحروبهم ... ، دولتهم المشبعة بالفساد ، والتي لم تعرف الاستقرار والنمو ، في أيِّ يومٍ من الأيام .
لم تكن أمكنة المهجر/ الغربة نعيماً ، أو ذلك الفضاء المنشود ، فالمهاجرون الأوائل فُقدوا ، ولم يُعرف مصيرهم ، والجيل الأوَّل التالي ، توزَّع بين محقِّقٍ نجاحاً ومخفق ، و ذوات الجميع كانت تختزن " جمر الحنين الغافي " .
يشعر الأهل ، في الوطن ، بالشوق الى الأبناء ، واذ لايتمكَّن هؤلاء من زيارة الوطن ، بسبب حرائقه التي لاتكفُّ عن الاشتعال ، يزورهم الأهل فيخفُّ اشتعال " الجمْرَين " ، غير أن الزائر يشعر بالغربة، فيقول على لسان رضوان : " في الدنيا الجديدة ، الانسان نملة ، في قريتي الانسان لايزال كبيراً مكرَّماً محمياً " . واذ يرقص في حفلي اللقاء والوداع ، يدرك أن رقصه هو رقص الخيبة .
يتعزز ادراك الخيبة عندما يرى أن أبناءه فقدوا هويتهم . تقول نبيهة ابنة رضوان لأبيها : أولاد هذه البلاد يخصُّون هذه البلاد ، لاتصدِّق اذا قالوا لك غير هذا . أنت تصرُّ على الوقوف في مكان ثابت ، وتجرُّ أولادك اليه. وهذا اقلاع عكس الزمن ، من منظور الأبناء . وعندما يرى أنَّ أولاده وأحفاده لايحققون استمراره فيهم ،يقرِّر العودة الى الوطن ليحقِّق هذا الاستمرار ، فيعود ، وتقتله الحرب ، غير أنَّ قتله يحقِّق ماأراده من انتماء واستمرار برزا خلال التشييع الذي لم يكن له مثيل .
ونقرأ ، في قصة قصيرة للعبد المجيد زراقط ، عنوانها : " جذور فوق التراب " ، من مجموعة قصصية تحمل العنوان نفسه ، قول العم العائد عجوزاً من المهجر ، لابن أخيه عن ابنته التي جاءت معه مرغمة الى لبنان : أريد أن تتزوجا ، لأمد لها جذورا في وطنها ، فتقول هي : ليس هذا وطني ، وتطلب من ابن عمها أن يصفي أعماله في لبنان ، ويرافقها في عودتها الى أميركا ليستثمر أمواله هناك ، فيقول الشاب لعمه : الجذور التي تحاول مدها ستبقى فوق التراب ...
يتمثَّل الوطن في الغربة في مظاهرشعبية ، منها : الدبكة والرقص والتبولة والكبة النية والمناقيش...، واللافت أنَّ المهاجر جبران حمل المجوز معه، واحتفظ به ، وبقي يعزف عليه كلما برَّح به الشوق ، وكلَّما واتته فرصة ، ويريد أن يُنطقه بما تنبض به خفقات قلبه طوال الأيام المرَّة .
تربط الروائية بين هجرة الطيور في أيلول ، لدى اصفرار شمس الخريف ، وبين هجرة الشباب في كلِّ حين ، لدى اصفرار شمس الوطن .
يتَّخذ المهاجرون الهدايا التي تأتيهم من الوطن ، مثل حفنة التراب : هدية روزينا ، رمزاً يوضع في صدر الدار في اناء "كريستال" كأنه تحفة تزيِّن المكان .
اللافت المهم هو أنَّ رضوان ، وهو اليتيم الفقير، حقَّق نجاحاً كبيراً على مختلف المستويات في قريته ، واسترجع سيرة هذا النجاح بالتفصيل طوال زمن رحلته ، فهل يعني هذا أنَّ من يعمل في وطنه ، كما عمل هو، يتمكَّن من تحقيق النجاح ، فلمَ الهجرة مادام النجاح في الوطن ممكناً !؟ لكنَّ الموت ، بسلاح المتحاربين ، كان ينتظره عندما عاد ، والتكريم المتمثل بحشود أبناء القرى الشرفاء ، كان ينتظره كذلك ، ورأى الكثيرون في هذا التكريم نصراً .
الغريب ، في هذا الوطن ، أن يكون الموت نصراً يضفر أكاليله شرفاء الوطن الأنقياء الذين يمثلون طرف ثنائية يمثل طرفها الثاني المتحاربون الذين حوَّلوا الوطن الى جحيم ، فهل يستطيع الشرفاء اطفاء نار " الجحيم " ؟ وكيف ؟ هذان هما السؤالان اللذان تطرحهما هذه الرواية ، وبالإجابة عنهما يغدو العيش في الوطن الجميل جميلاً مثله .
* د. عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي.
جريدة الأيام الإلكترونية. بيروت
- علامات:
- إقليمي ودولي
