28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده - المقالة الأخيرة / جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده - المقالة الأخيرة / جريدة الأيام الإلكترونية "النقد الأدبي البنيوي وما بعده"-المقالة الأخيرة
أ. د. عبد المجيد زراقط *:
- تعدُّد المناهج وتنوُّعها ووظيفتها
في نهاية الستينيَّات أفل نجم البنيويَّة، وفي نهاية الثمانينيات خفت وهج التفكيك في الغرب، وبزغ فجر التأويل، والتلقِّي، والتاريخيَّة الجديدة، والنَّقد الثقافي، والنَّقد ما بعد الاستعماري، وهذه حركات نقديَّة تجدِّد حركات سابقة تعيد الأهميِّة للمؤلِّف والسِّياق والمرجع والمعنى و...
في هذا التعدُّد في المناهج، يمكن القول: المنهج، في النَّقد الأدبي، هو طريقة واضحة، في دراسة النَّص الأدبي، على أسس نظريَّة ذات أبعاد فكريَّة، وذات أدوات إجرائيَّة دقيقة، ومتوافقة مع الأسس المذكورة، وقادرة على تحقيق الهدف من الدِّراسة. فنسأل، قبل أن نختار المنهج: ماذا نبحث؟ فنحدِّد الموضوع، ولماذا؟ فنحدِّد الهدف، وكيف؟ فنحدِّد المنهج. فالموضوع والهدف هما اللذان يحكمان اختيار المنهج. لهذا، يبدو أن ليس من منهج أصحُّ من منهج في المطلق، وإنَّما يوجد منهج أصحُّ من منهج في بحث موضوع معيَّن، بغية الوصول إلى هدفٍ محدَّد. كما أنَّه ليس من منهجٍ صالحٍ في هذه الآونة وغير صالح في آونةٍ أخرى، فالمبدأ الأساس هو: إلى أين أريد أن أذهب؟ أجيب عن هذا السًّؤال، وأختار الطريق الواضح الذي يوصلني إلى المكان الذي أريد الذِّهاب إليه، ما يعني القبول بالتَّعدُّد والتنوُّع والاختلاف المنهجي، الموظَّف في خدمة التعدُّد والتنوُّع والاختلاف في الهدف من البحث في الظاهرة الأدبيَّة ونصوصها.
- "ما بعد البنيويَّة" في النَّقد الأدبي المعاصر
تتراكم المعرفة النَّقديَّة في واقع النَّقد الأدبي المعاصر، وتختلط معطيات حقولها الكثيرة وتتمازج، ما يفضي إلى تعقُّد تزداد شدَّته بازدياد التطوُّر السَّريع الذي تعرفه النَّظريات النَّقديَّة، وهي غربيَّة المنشأ والتطوُّر وسياقهما التَّاريخي. وإذ تُحصَّل مباشرة تتعدَّد مصادرها، وتتنوَّع لغاتها، وتختلف مصطلحاتها، وإذ تتُرجم إلى العربيَّة، أو تُعرض ملخَّصةً في كتب، أو دراسات، ينسبها كتَّابها إلى أنفسهم، يزداد الأمر صعوبةً وبلبلةً؛ وذلك يعود إلى صعوبات التَّرجمة وتعدُّد المرجعيَّات والمصطلحات وعجز الملخَّصات، في غالب الأحيان، عن تقديم النظريَّات كما هي عليه، وكما ينبغي، إضافةً إلى خصوصيَّة هذه النّظريَّات الغربيَّة المختلفة عن خصوصيَّة النَّقد والنص الأدبيَّين العربيَّين، وعن خصوصيَّة الثقافة العربيَّة بعامَّة.
وهذا يصدق على استقبال النَّقد العربي لنظريَّات "ما بعد البنيويَّة". ففي الغالب، ننظر إلى المناهج النَّقدية الغربيَّة بوصفها حقائق علميَّة، وتتحوَّل لدينا إلى قواعد نطبِّقها، في كثير من الأحيان، تطبيقاً حرفياً شكلياً لا يراعي خصوصيَّة النَّص الأدبي العربي ولا خصوصيَّة متلقَّية، ما دامت صادرة عن هذا المنظِّر الغربي أو ذاك، من دون أن نعيد النَّظر فيها في ضوء معطيات تاريخنا الإبداعي والنَّقدي. كما يحدث، في كثير من الأحيان، أن يعجز الباحث عن امتلاك النظريَّة كما هي عليه، وكما ينبغي، فيعرضها مشوَّهةً، ويطبِّقها بطريقة مشوَّهة تجعل نقده أكثر صعوبةً من النَّص وعصيَّاً على الفهم.
من الأعمال التي اعتمدت "التَّفكيكيَّة" منهجاً نقديَّاً نذكر مؤلَّفي "عبد الله الغذَّامي: "الخطيئة والتفكير" و"من البنيويَّة إلى التَّشريحيَّة" ومؤلَّفات "عبد الملك مرتاض":" حمَّال بغداد: تحليل سيميائي تفكيكي" و"ألف ياء: دراسة سيميائية تفكيكية لقصيدة أين ليلاي لمحمَّد العيد آل خليفة"، و"تحليل الخطاب السردي: معالجة تفكيكية سردية". ومؤلَّف "ميجان الرويلي" "قضايا نقديَّة ما بعد بنيويَّة – سيادة الكتابة نهاية الكتاب"، وهو كتابٌ، يذكِّر عنوانه الثانوي ببحث "جاك دريدا" الشهير: " نهاية الكتاب وبداية الكتابة".
تقوم تشريحيَّة عبد الله الغذَّامي، ويعني بها "التفكيكيَّة"،على مبدأ "تفسير الشِّعر بالشِّعر"، ويعني "إدماج كل قصيدة في سياقها، ولكلِّ قصيدة سياق عام هو مجموعة شفرات جنسها الأدبي، يتداخلان ويتقاطعان بشكل دائم ومستمر". ويتم هذا إجرائياً بـ "تشريح" النَّص إلى وحداته الشعرية/جمله الشِّعرية، وهي سوى الجمل النحويَّة، فقصيدة "دريد بن الصُّمة"، على سبيل المثال، هي جملة شعرية واحدة، مع أنها تتألف من خمسة أبيات. يقول الغذامي إن ما يقوم به إجراء توفيقي بين عدَّة مبادئ نقدية هي: الاختلاف، إعادة القراءة، التَّناص، إحضار عناصر الغياب، تفسير الشِّعر بالشعر، ويقرُّ بأن "تشريحيته تختلف عن تفكيكية "دريدا" وتقرب من تفكيكية "بارت"، القائمة على تشريح النَّص بغية إعادة بنائه"().
ويجري عبد الملك مرتاض التَّحليل التفكيكي، ويسمِّيه التَّقويض، فيقوم بـ "تقويض لغة النَّصّ أجزاء أجزاء وأفكاراً أفكاراً... لتبيُّن مركزي النَّص والاهتداء إلى سرِّ اللعبة فيه. ثم يُعاد تطنيبه أو بناؤه، أو تركيب لغته، في ضوء نتائج التقويض"().
ويرى عبد العزيز حمودة أنَّ "التفكيكيَّة" تبحث عن اللَّبنة القلقة غير المستقرة، وتحرِّكها حتى ينهار البنيان من أساسه، ويعاد تركيبه من جديد. وفي كل عملية هدم وإعادة بناء يتغيَّر مركز النَّص، وتكتسب العناصر المقهورة أهمية جديدة، يحدِّدها – بالطبع – أفق القارئ الجديد. وهكذا يصبح ما هو هامشي مركزياً، وما هو غير جوهري جوهرياً"()، غير أنَّ حمَّودة لم ينتبه إلى أنَّ "التفكيكية" لا تعيد بناء النَّص الذي تفكِّكه. وعن إفادتنا من النَّقد الغربي، يروي حمودة خبراً يسأل فيه ناقد غربي عمَّا نستفيده نحن من هذا النَّقد، كأنَّه يقول: لكم أن تنتجوا نظرياتكم لا أن تستهلكوا نظرياتنا. وروى "عبد العزيز حمودة أنَّ "غالي شكري التقى" رولان بارت" في باريس، وحينما أخبره عن شعبيَّته في الوطن العربي، بوصفه ناقداً حداثياً، سأله: بماذا يفيدكم النَّقد الحداثي!؟().
- إستقلال النَّص ولذَّة قراءته...، في النَّقد العربي القديم
الأفضل لنا أن نُنتج لا أن نستهلك، هذه مقولة صحيحة تقتضي، إضافة إلى الصُّدور عن النَّص موضوع الدِّراسة، العودة إلى تراثنا النَّقدي الذي طالت قطيعتنا المعرفيَّة به. وهذا ما سنحاول القيام به في ما يأتي. يختلف مسار الثقافة العربيَّة عن مسار الثقافة الغربيَّة، فقد عرف النَّقد العربي الكثير ممَّا دعت إليه نظريات "ما بعد البنيويَّة"، مثل استقلال النَّص عن مؤلِّفه وسياقه والتَّناص ولذَّة القراءة...، ليس على مستوى المصطلحات، وإنمَّا على مستوى المفاهيم، ووضع لكلِّ مفهوم مصطلحاتٍ كثيرة، وصنَّفه في أنواع عديدة لم يخل كتاب من كتب النَّقد العربيَّة القديمة المعتبرة من البحث الوافي فيها، انطلاقاً من النظرة الأدبيَّة، في حين انطلقت النظرة الغربيَّة، من النظرة اللغوية الحديثة، إضافةً إلى تمييز النَّقد العربي القديم بين أنواع حضور النُّصوص في نصِّ أدبي، في حين لم يُميِّز النَّقد الغربي بين هذه الأنواع، وإنَّما عدَّ كل حضور تناصَّاً، وإن كان اقتباساً وتضميناً وأخذاً... في يتعلَّق بما سمِّي "التَّناص"، يمكن أن نقدِّم نماذج من الأقوال تتحدَّث عن امتصاص النَّص لنصوص أخرى، وتسرُّبها إليه وحضورها فيه. هذه الأقوال لكلٍ من:
امرؤ القيس: عوجا على الطَّلل القديم لعلنا/نبكي الدِّيار كما بكى ابن حذام. عنترة: هل غادر الشُّعراء من متردَّم/ أم هل عرفت الدَّار بعد توهمُّ كعب بن زهير: ما أرانا نقول إلاَّ رجيعاً/ومعاداً من قولنا مكرورا الأمام علي بن أبي طالب: "لولا أنَّ الكلام يعاد لنفد"().
محمَّد بن سلَّام الجمحي (ت. 231 هـ) عن امرئ القيس: "ما قال ما لم يقولوا؛ ولكنَّه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتبعته فيها الشعراء"().
أبو تمَّام: "كم ترك الأوَّل للآخر".
شاعر: احفظ تقُل ما شئته/إن الكلام من الكلام.
في هذا السِّياق، نذكر هذا الخبر الدَّال: جاء أبو نوَّاس إلى خلف الأحمر يستأذنه في نظم الشِّعر، فقال له خلف: إذهب واحفظ ألف مقطوع للعرب، ما بين أرجوزة ومقطوعة وقصيدة، فذهب أبو نوَّاس، وحفظها، وجاء إلى خلف، فأنشدها، فقال له خلف: إذهب فانسها، فلمَّا نسيها، قال له خلف: الآن، انظم الشعر(). ولعلَّ أبلغ ما يدلُّ على ما سمِّي "التَّناص" حديَث ابن خلدون عن تحصيل الملكة التي تنسج الشِّعر، فتتشكَّل القريحة التي "تدرُّه"، ويشبِّهها بـ "الضَّرع" الذي يدرُّ الحليب().
وقد ميَّز النَّقد العربيُّ القديم بين حضورين للنُّصوص الأخرى في النَّصِّ الأدبي: أوَّلهما السِّرقة وأنواعها، ويكون الحضور فيها مقصوداً واعياً واضحاً مباشراً... وثانيهما متنوِّع الأشكال، ويكون غير مقصود وغير واعٍ وغير واضح وغير مباشر، وأعطى هذا الحضور أسماء كثيرة. تشير إلى مفهوم التَّناص، منها: الاستيحاء، الإشارة، التلميح، التضمين، الاقتباس، الاستمداد، التوليد، الأخذ().
والنصوص التي تتحدَّث عن دور المتلقِّي واستقلال النَّص عن مؤلِّفه وسياقه، في النَّقد الأدبي العربي القديم، كثيرة، نذكر منها، على سبيل المثال: يرى حسَّان بن ثابت أنَّ الشِّعر إنَّما هو خلاصة فهم المرء العقليِّ – الوجدانيِّ للعالم، يعرضه على المجالس، أي يقدِّمه للمتلقَّي، أياً يكن نوعه: كيْساً أو حُمقاً، وما يمثِّل شعريَّته هو حكم المتلقَّي عليه، أي إنتاجه له، فحسَّان ينظر، هنا، إلى الاكتشاف المفاجئ الذي يعلنه المتلقِّي، بعد أن يبعث فيه الشِّعر الإحساس بالمتعة/ اللَّذة الدافعة إلى قول الحكم. يقول حسَّان: وإنَّما الشِّعر لبُّ المرء يعرضه
على المجالس، إن كَيْسا وإن حُمُقا
وإنَّ أشعر بيتٍ أنت قائلُه
بيتٌ يُقال، إذا أنشدته: صَدَقا().
يرى الأخطل: "أنَّ العالم بالشِّعر لا يبالي...، إذا مرَّ به البيت المُعَايَر. [ويُروى، أيضاً، العاثر]، السَّائر الجيِّد، أمسلمٌ قاله أم نصرانيُّ..."(). فالشاعر الأخطل يقرِّر، وهو الخبير بحقائق الشِّعريَّة العربيَّة، أنَّ العالم بالشعر، ولنقل المتلقِّي الذي يجيد قراءته، لا يهتمّ بمن يقول هذا الشعر، فما يعنيه هو الجودة التي تفرض سيرورته، فحسب، ويمكن فهم سيرورة الشعر هنا كثرة القراءات التي تتبيَّن الجودة وتتذوقَّها ويلتذُّ صاحبها بذلك. وهذه نظرةٌ إلى النَّص نفسه بمعزل عن مؤلِّفه، أيَّاً يكن انتماؤه. ومن نماذج هذه الرؤية سؤال النَّقاد عن شعريَّة النقائض()، على الرُّغم من معرفة مساوئ هذا النوع من الشعر المجتمعيَّة. ويتحدَّث الجاحظ عن دور المتلقِّي، فيقول: " البيان اسم جامعٌ لكلِّ شيءٍ كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجب دون الضمير، حتَّى يفضي السَّامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله..."().
ويمكن للباحث تبيُّن مفهوم قراءة المتلقِّي للنَّص بمعزل عن مؤلِّفه وقصده في الخبر الآتي: وقف أبو نوَّاس مرَّة قرب مجلس راويةٍ ناقدٍ يقرأ نصَّاً له هو: "ألا فاسقني خمراً، وقل لي: هي الخمرُ/ ولا تسقني سرَّاً إذا أمكن الجهرُ"، فسأل أحد الطلاَّب: لماذا يريد الشَّاعر أن يسمع، وأن يجهر بشربه للخمرة؟ فقال الرَّاوية النَّاقد: إن الشاعر يريد أن يُشرك جميع حواسِّه في التلذُذ بالخمر، فلمَّا بقي السَّمع عاطلاً عن هذه اللذَّة أراد أن يدخله في جوقتها. فضحك أبو نوَّاس، وتعجَّب وقال: تأويل لم أقصده، ولم يخطر لي ببال(). أمَّا الكلام على لذَّة النَّص، فنقدِّم مثالاً لها هو قول أبي تمَّام (ت. 238 هـ):
والشِّعرُ فرجٌ ليست خصيصتُه،
طولَ اللَّيالي، إلاَّ لمفترعه
يفيد قول أبي تمَّام أنَّ من يمتلك مزيَّة الشِّعر البكر هو القادر على "افتراعه"، أي إزالة بكارته، وبتعبير آخر: إجادة إنتاجه، أو إبداعه. ويُفهم أنَّ من يفعل ذلك هو الشَّاعر والمتلقِّي، وإذ يفعل ذلك أيٌّ منهما يشعر بلذَّة الافتراع/الوصال/البكر. في هذه الرؤية التي ينطق بها بيت أبي تمَّام، يكون الشَّاعر العربي قد سبق "بارت" في رؤيته إلى دور المتلقِّي في إعادة إنتاج النَّص ولذّته التي تقرب من لذَّة الوصال، لدى إجراء هذه العمليَّة التي أعطاها الشاعر العربي المبدع صورةً تشعُّ بالدَّلالات، وجعل "المفترع ممتلكاً للإبداع. وقد يقرأ آخر هذا البيت، وينتج دلالة أخرى، وقد تتعدَّد القراءات إلى ما لانهاية. ويكرِّر أبو تمَّام هذه الرؤية، مستخدماً تسمية أخرى لممتلك الخصيصة الشعريَّة هي "مجتلية"، فيقول:
هي السُّحر الحلال لمجتليه
ولـم أرَ قبلها سحراً حلالا
ويقرِّر المتنبَّي، في نظرة نافذة إلى جوهر القراءة، أنَّ الأَدْرَى بالشِّعر هو الذي يحبُّه ويعقله في آن، إذ يُروى أنَّه قال: "إنَّ ابن جنِّي أدرى بشعري منِّي لأنَّه يحبُّ ويعقل".
ويتحدَّث القاضي علي بن عبد العزيز الجرحاني (ت 392 هـ) عن الإحساس/الطَّرب والنَّشوة الذي يحسُّ به المتلقِّي لدى تلقٍّيه الشعر، وهو "يفترعه"، فيقول: " ... تفقَّد ما يتداخلك من الارتياح، ويستخفُّك من الطرب إذا سمعته". ويستشهد بقول الشَّاعر:
إذا الشِّعر، إذا لم يهزُزك عند سماعه
فليس خليقاً أن يُقال له: شعر().
وتلفت رؤية دعبل بن علي الخزاعي (ت. 246 هـ) القائلة: إن جيِّد الشِّعر يبقى ، وإن مات قائله، فمن يبقيه، كما يُفهم من البيتين الآتيين، هو المتلقِّي الذي يدرك خصيصته وينتجها:
... يموت رديء الشِّعر، من قبل أهله،
وجيُّده يبقى، وإن مات قائله...
... إنِّي، إذا قلت بيتاً مات قائله
ومن يقال به، والبيت لم يمت...().
وعن تعدُّد المدلول يقول عبد القاهر الجرجاني: "نعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللَّفظ معنى، ثمَّ يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر(). ومن المهم أن نلحظ دلالة كلمة "تعقل" على الدَّور الذي يؤدِّيه المتلقِّي في إنتاج "معنى المعنى".
ونجد، في ثنايا البحوث البلاغيَّة العربيَّة، رؤية إلى العلاقة بين اللفظ ومعناه، أي الدَّال والمدلول، في التسمية الحديثة، فيقول: يحي بن حمزة، على سبيل المثال: "الحقيقة في وضع الألفاظ إنَّما هي للدَّلالة على المعاني الذِّهنيَّة من دون الموجودات الخارجية..."().
وهكذا، كما يبدو، كان للنَّقد الأدبي العربي القديم رؤاه إلى مسائل نقديَّة رأت إليها نظريات "ما بعد البنيويَّة"، لكن كان لكلِّ نقدٍ مصطلحاته ومنهجه وسياقه التاريخي، وإنَّه لمن المجدي أن نعيد الصِّلة بتراثنا الأدبي والنَّقدي، بعد أن قطعنا معه الصِّلة المعرفية مدَّة طويلة، فما يعيدنا إلى الحضور في ميدان النَّقد الأدبي العالمي، كما في مختلف المجالات، هو الإنتاج وليس الاستهلاك الذي يكون أشدَّ سوءاً إن كان المكوِّن الوحيد للتَّجربة الشخصيَّة، وليس مكوِّناً من مكوِّناتها، وبخاصَّة في حيِّز الإجراءات التطبيقيَّة المرنة. نخلص إلى هذا الرَّأي، ونحن مطمئنون إلى صوابه
الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية