مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين.. الترحيب الأميركي ب "التفكيكيَّة" / جريدة الأيام الإلكترونية
أ. د. عبد المجيد زراقط :
١٣- الترحيب الأميركي بـ"التفكيكيَّة"
وجدت "التفكيكيَّة" الترحيب في الولايات المتحِّدة الأميركيَّة، فعمل دريدا أستاذاً في جامعة "ييل" التي صارت مركزاً لحركة نقدية تفكيكيَّة أميركية، سُمِّيت بـ"مدرسة ييل"، ومن نقَّادها: "بول دي مان" (1919 – 1983) و"ج. هـ. ميلر" (1928) و"جيفري هارتمان" (1929).
استحوذت "التفكيكيَّة" على اهتمام المشهد الفكري النَّقدي الأميركي حتى قيل: إنَّها إنتاج أميركي بحت؛ إذ إنَّ شهرة "دريدا" واستراتيجيَّته نمتا في الجامعات الأميركيَّة، بينما لم تمتلكا الأهميِّة نفسها في فرنسا، كما أنَّ كثيراً من الأميركييِّن كيَّفوا تفكيكية "دريدا" حتى تتواءم مع توجُّهاتهم النَّقديَّة والفكريَّة، ضمن خيوط الثقافة الأميركية العامَّة(). إن كانت هذه الدِّراسة تبحث في "نظريات ما بعد البنيويَّة" النَّقديَّة الفرنسيَّة، فإنَّنا لن نفصِّل في الحديث عن "ما بعد البنيويَّة" الأميركيَّة، وإنَّما سنشير إلى أهمّ آراء النَّاقد الأبرز في هذه الحركة، وهو "بول دي مان"، إضافة إلى الفرق بينه وبين "دريدا"، كما يحدَّده هو.
"بول دي مان" أستاذ جامعي درَّس في جامعة "ييل". كان الشخصيَّة التي تحلَّقت حولها المجموعة التي جعلت من جامعة "ييل" مركزاً أساسياً لتيار التفكيك في أميركا. من أهم كتبه: "العمى والبصيرة" – 1971 و"مجازات القراءة" - 1979 و"بلاغة الرُّومانسيَّة" – 1984، و"مقاومة النظريَّة" – 1986، وهو، في كتابيه: "العمى والبصيرة" و"مجازات القراءة"، يدين ديناً واضحاً لدريدا، لكنه يطوِّر مصطلحه الخاص.
محور كتاب "العمى والبصيرة" مفارقة مؤدَّاها أن النقَّاد لا يصلون إلى البصيرة النَّقدية إلاَّ من خلال نوع من العمى النَّقدي، فهم يتبنَّون مجازات نظرية تتضارب تماماً مع الاستبصارات التي تؤدي إليها. النقَّاد الجدد في أمريكا أقاموا نقدهم على أساس من فكرة الشاعر الإنكليزي "كولريدج" (1772 – 1834) عن الشكل العضوي، ولكن بدلاً من كشف وحدة العالم الطبيعي وتلاحمه اكتشفوا معاني متعدِّدة الأوجه، وانتهى نقدهم إلى تعدُّد المعنى.
يعيد "بول دي مان" نجاح "دريدا" إلى أنه، "عكس معظم النُّقَّاد الفرنسيِّين، يعمل بأمانة وصميميِّة على النُّصوص"، وإلى "أنَّه يقرأ بيقظة وانتباه عظيمين...". وينكبُّ "على مشكلات التأويل النَّصِّي أكثر من انكبابه على مشكلات ذات طبيعة سياسيَّة، أو طبيعيَّة أكثر عموميَّة". ويضيف فيرى أنَّنا لا نستطيع أن نقع في عمله على طرائق أنموذجيَّة في القراءة، وعلى وعي بالتَّعقيدات البلاغية لنصِّ ما التي يمكن ملاءمتها والاستفادة منها في طريق التعليم، وفي أصول تدريس التعليم الأدبي"(). مضى "دي مان" على خطى "دريدا" فقال: "إنَّ النَّص يقوم بتفكيك ذاته، وهو تفكيكي بصورة ذاتية"().
يتحدَّث "بول دي مان" عن الفرق بينه وبين "دريدا"، فيقول: "إنَّ عملي هو، بمعنى من المعاني، بيداغوجي أكثر من كونه فلسفيَّاً. إنَّ عملي يبدأ دائماً من المهمة البيداغوجيَّة، أو التعليمية، لقراءة نصوص محدَّدة أكثر من كونه، كما هو الأمر، لدى "دريدا"، نتيجة لضغط مسائل وقضايا فلسفيَّة عامَّة". إن الفرق بيني وبين "دريدا" "هو أنَّ نصّ "دريدا" نصٌّ لامع متألق، قاطع، قويٌّ جداً، بحيث إن ما يحدث في نصِّ "دريدا" يحدث ما بين "دريدا" ونصِّه. إنه لا يحتاج "روسو"، لا يحتاج أيّ شخص على الإطلاق. أنا أحتاج إليهم بشدَّة، لأنَّني لا أمتلك فكرة خاصَّة بي، وقد كنت أتوصَّل إلى الفكرة عبر نصٍّ، عبر الفحص النَّقدي لنصّ. إنَّني فقيه لغة، ولست فيلسوفاً..."().
الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي.
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- إقليمي ودولي
