28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده (5)/جريدة الأيام الإلكترونية

مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | نظريات النقد الأدبي البنيوي وما بعده (5)/جريدة الأيام الإلكترونية أ.د.عبد المجيد زراقط :*
المقالة الرابعة من سلسلة المقالات والدراسات التي تحمل العنوان : "نظريات النَّقد الأدبي البنيوي وما بعده".
١١ - جوليا كريستيفا ونظرية التَّناص = intertextualite جوليا كريستيفا فرنسية من أصل بلغاري، أديبة وباحثة وناشطة نسويَّة. وصفها "رولان بارت" بـ "امرأة غريبة"، لأنَّها غير مستقرَّة على مجال معرفي معيَّن، فهي ناقدة أدبيَّة، من أبرز نُقَّاد البنيوية وما بعدها، وباحثة في السِّيميائية ومحلِّلة نفسيَّة ومنظِّرة لغوية وناشطة نسويَّة، في آونة تحوُّل النَّقد الأدبي الفرنسي، من البنيوية إلى ما بعد البنيويَّة. قدَّمت مفهوم "التَّناص – الحواريَّة النَّصَّية"، ويعني، من منظورها، التداخل بين النُّصوص السَّابقة واللاحقة، أو الحوار المعرفي بين النُّصوص المفضي إلى إنتاج النَّص الجديد، وذلك في محاضرة ألقتها، ثم نشرتها في مقالٍ عنوانه: "الكلمة، الحوار، الرِّواية".
أسهمت "كريستيفا" في صناعة تجربة "تيل كيل" الفرنسية التي أنشأها زوجها الرِّوائي والناقد الأدبي الفرنسي "فيليب سوليزر"، وهي "مجلة عملت على مزج التحليل السيميوطيقي بالايديولوجيا الماوية، في نهاية السِّتينيات وبداية السبعينيَّات. لكنها تراجعت، في ما بعد، عن ولائها للفكر الماوي، وأصبحت أكثر قرباً من اليمين الثقافي الفرنسي". في إنتاجها تأثير لعالم النَّفس "جان لاكان" والعلماء النُّقَّاد: "رولان بارت"، و"جاك دريدا" و"رومان جاكوبوسون" و"ميخائيل باختين". من أهم كتبها: "ثورة اللغة الشِّعرية" – 1974، و"الرَّغبة في اللغة: مقاربة سيميائية للأدب والفن" – 1980(). ظهر مفهوم التَّناص، في كتابات "جوليا كريستيفا"، التي نُشرت، في عامي 1966 و1967، في مجلَّتي: "telquel" و"critique" وأعادت نشرها في كتابيها: "سيموتيك" و"نصُّ الرِّواية". صاغت "كريستيفا" مصطلح "التَّناص" باستخدام تقنية النَّحت، فأضافت البادئة "inter" اللاَّتينية، وتعني "العلاقة المتبادلة والتَّداخل والتفاعل" إلى كلمة، "نصّ" "texte". ومن المصطلحات التي استُخدمت في النَّقد العربي المعاصر، إضافة إلى التَّناص: التَّناصيَّة والنُّصوصيَّة وتداخل النُّصوص والتَّفاعل النصِّي. لكن مصطلح التَّناص هو الذي شاع وغدا سائداً.
استنبطت "كريستيفا" مصطلح "التَّناص" من دراسة "باختين" (1895 – 1975) لروايات "دستوفسكي"، في كتابه: "شعريَّة دستوفسكي". ففي هذا الكتاب تحدَّث "باختين" عن الحوارية في روايات الرِّوائي الرُّوسي الشهير، ويعني بها تعدُّد الأصوات في الرِّواية، المتأتِّي من تقاطع لهذه الرِّواية مع روايات أخرى. سمَّى "باختين" هذا التَّعدُّد "التَّفاعل السُّوسيولفظي"، ورأى أنَّ كل نصٍّ يتشكَّل من فسيفساء من النُّصوص الأخرى، وأنَّه امتصاص وتحويل لها.
عرَّفت "كريستيفا" "التَّناص" بأنَّه "تفاعل نصِّي يحدث داخل نصٍّ واحد"، ورأت أنَّ هذا النَّص "عدسة مقعَّرة لمعانٍ ودلالات متغايرة ومتباينة، ومعقَّدة في الوقت نفسه". ثم شاع هذا المصطلح، واستخدمه "رولان بارت"، لأوَّل مرَّة، سنة 1973. وإذ شاع هذا المصطلح، تخلَّت "كريستيفا" عنه، وفضَّلت مصطلح التحويل tranposition. هذه الفكرة كانت معروفة في النَّقد الأدبي الغربي. يقول "لانسون": "ثلاثة أرباع المبدع مكوَّن من غير ذاته"()، ويقول بول فاليري: "لا شيء أدعى إلى إبراز أصالة الكاتب وشخصيَّته من أن يتغذَّى بآراء الآخرين، فما الأسد إلاَّ عدَّة خراف مهضومة"(). كانت "جوليا كريستيفا" على صلة بالنَّظرية التحويليَّة في اللِّسانيَّات التي بلورها "تشومسكي" على مبعدة من اللِّسانيات الأوروبية، فعدَّت النَّص الأدبي أداة تحويل للنُّصوص السَّابقة والمعاصرة، فدخول هذه النُّصوص إلى نصٍّ جديد ينتج عنه بالضرورة تحويل في دوالِّها ومدلولاتها كأن النَّص يعيد قراءة النُّصوص التي دخلت في تكوينه، ويقوم بتحويلها لفائدته الخاصَّة. والنَّص، عند ذلك، يصبح تناصَّاً، أي حضوراً للنُّصوص الأخرى، يقيم معها النَّص، موضوع الدراسة، حواريَّة معرفيَّة أثَّرت وتؤثِّر في تمظهره النِّهائي"().
* د. عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية