مع عبد المجيد زراقط في النقد كل اثنين | كربلاء ، في " ملحمة عيد الغدير " لبولس سلامة/جريدة الأيام الإلكترونية
بولس سلامة ( ١٩٠٢- ١٩٧٩) شاعر لبناني ، ولد في بلدة " بكاسين ، الواقعة في قضاء جزين . عمل قاضياً ، ثم أقعده المرض مدة أربعين عاماً ، أجرى خلالها عشرين عملية جراحية .
في فضاء وجع " أيوب القرن العشرين " ، كما وُصف بولس سلامة ، نظم " ملحمة عيد الغدير " ، من منظور يمثِّله قوله : العروبة لأحوج ماتكون الى التمثُّل بأبطالها ، وهم كثر ، لم يجتمع لأحد منهم مااجتمع لعلي بن أبي طالب ، ولم يقم في وجه الظالمين أشجع من الحسين . كما نظمها ، وهو يحيا حالة حبٍّ للحق ، يمثلها قوله :" جلجل الحقُّ في المسيحيِّ حتى / عُدَّ من فرط حبِّه علويَّا " .
تعدُّ " ملحمة عيد الغدير " أوَّل ملحمة في تاريخ الشعر العربي ، وهي تتألَّف من سبعٍ وأربعين قصيدة ، تضمُّ ثلاثة اَلاف وأربعمئة وخمسة عشر بيتاً من الشعر ، نُظمت على بحر الخفيف . ولا يخفى أنَّ تطويع هذا الوزن الخليلي للنظم الملحمي يعدُّ انجازاً شعرياً شديد الأهمية ، ولم يحدث ، من قبل ، في حدود علمي ، في الشعر العربي الموزون والمقفى . تبدأ الملحمة بقصيدة استهلال عنوانها " صلاة " ، وتنتهي بقصيدة خاتمة تكمل تلك الصلاة ، وبين القصيدتين ، قصائد تسرد قصة أهل بيت النبوة منذ الجاهلية الى سقوط الدولة الأموية ، فيمثل " يوم الغدير " فصلاً من فصولها ، واليه نُسبت ، و" يوم الغدير " هو اليوم الذي بويع فيه الامام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بالولاية ، في مكان اسمه " غدير خم " تلبية لخطاب النبي محمد ( صلى الله عليه واَله وسلم ) الذي جاء فيه : " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه ... " .
يبدأ الشاعر ملحمته ، كما قلنا ، بصلاة يرفعها الى الله ، سبحانه وتعالى ، جاء فيها : " ... هاتِ، يا شعر ، من عيونك ، واهتف / باسم من أشبع السباسب ريَّا ..." .
ان يكن الشاعر ، في هذه الصلاة ، يذكِّر بهوميروس ، في " الألياذة " ، بالطلب من الاَلهة أن تلهمه الشعر ، واجادة الاشادة باسم " اَخيل " ، فانه يختلف عنه في عدة أمور ، منها : ١ . يطلب سلامة من الله ، سبحانه وتعالى ، وليس من اَلهة الشعر . ٢. يهتف باسم بطل السيف والتقى والعدالة ونبيل السجايا ، ومن أشبع الصحارى ريَّا ... ، وليس باسم بطل خارق تسيِّره الاَلهة والقدر ٣. يروي تاريخ شعب لم يقل فيه الراوي غير الحق ، يدور فيه صراع بين بطل هو فخر التاريخ ، وبين قوى الشر ، في حين يروي هوميروس ، تاريخ شعب تختلط فيه الأساطير والخوارق بالوقائع التاريخية ، ويحكم مسار القص قدر غاشم ... . وفي هذا الشأن يقول سلامة : " مصدر الحق ، لم أقل غير حقٍّ / أنت أجربته على شفتيَّا ... " . ولا يخفى أن نظم وقائع التاريخ شعراً قصصيا ملحميا يعدُّ انجازاً شديد الأهمية ، ليس في تاريخ الشعر العربي فحسب ، وانما في تاريخ الشعر بعامة أيضاً .
البحث ، في قضايا هذه الملحمة يطول ، غير أننا ، في هذه المقالة القصيرة ، نريد الكلام على تمثُّل " القلب العيسوي " لكربلاء وتمثيلها شعراً ملحميا .
في الرؤية الى كربلاء ، يبدأ الشاعر بتشكيل فضاء " الفقد التاريخي " ، المتمثل بتولِّي " يزيد بن معاوية " خلافة المسلمين . في هذا الفضاء ، يخاطب الشاعر المؤذِّن ، مكنِّياً عنه ب " رافع الصوت داعياً للفلاح " ، ويطلب منه أن يخفض الصوت ، في أذان الصباح ، وأن يترفًّق بخليفة المسلمين ، صاحب العرش ، المشغول عن هذا الصوت ، وعن الله ، ب " القيان الملاح " ؛ ذلك أن " ألف ألله أكبر لاتساوي ، بين كفي يزيد نهلة راح " .
وان صحا خليفة المسلمين هذا ، دعا الخيول ، لالجهاد ، وانما للسباق . وفي ميدان السباق ، يخيب فأل الفرسان ، اذ يفوز في السباق " أبو قيس " ، وهو قرد خليفة المسلمين الذي كان لاينفك عن ملاعبته ، وعن اثارة الكلاب للهراش .
هنا يتمثل " الفقد التاريخي " ، ويُطرح السؤال : كيف يُبايَع هذا " الصلُّ الفحَّاح ، ابن المرقَّشة " خليفة للمسلمين ؟ ثم يُطرح سؤال اَخر : من يخلِّص الأمة منه ، ويعوِّض فقدها ؟
يكون جواب أحرار الأمة : الحسين هو من يفعل هذا ، فيكون سعيه ، في هذا السبيل هجرة ثانية ، في الاسلام تجدِّد هجرة جدِّه محمد ، نبيِّ الله ، يستجيب الحسين لنداء الواجب واستغاثة أحرار الأمة ، ويلبي دعوة المستغيثين به الهاتفين :" ... ، ياابن بنت الرسول ، أقدم ، وفي / صحبك تمشي ملائك أجواقا / وأغثنا ، فان جور يزيد / بثَّ فينا الشقاء والاملاقا ... " .
يُحكم الحسين التدبير ، فيرسل مسلم بن عقيل ليخبر المستغيثين به بأنَّه نذر لهدى كتاب الله حياته ، وليختبرهم . يصل مسلم الى الكوفة بعد رحلة صعبة ... ، يبايعه الألوف ، فيرسل للحسين البشارة ، لكن ذباب المطامع سرعان ماينفضُّ من حوله ، فيبقى وحيداً ، يقاتل ويقتل ، وكان الحسين قد رحل بأهله وأبناء عمه وأنصاره قاصدا الكوفة ، ويجيب من نصحه بالعدول عن ذلك بقوله :" ... اني مارمت جاهاً ولا مالا / بل حفاظاً على شريعة جدي / انَّ ليل الاَثام والبغي طالا " . وهذا يعني أن الخروج الهادف الى حفظ الشريعة واجب / قدر لابدَّ منه ، وأيُّ تخلٍّ عنه هو تخلٍّ عن أداء الحق الواجب ، وأداء الواجب / القدر طاعة لله ، في سبيل حفظ الدين وهداية الأمة وخطِّ نهجٍ لها في ذلك الزمان ، وفي كل زمان ، " فيكون القتيل بالطف للأح / رار رأسا ، وللهدى مشعالا " . هذا الفهم يفسر مضي الحسين الى مصير يعرفه ، وهنا يتمثل اختلاف اَخر بين هذه الملحمة والملاحم الأخرى ، مثل الألياذة ، فالوقائع تاريخية مسبَّبة ، مقنعة ، وليست أساطير ، والبطل انسان عادي يخضع لشروط الحياة الانسانية ، والقدر ليس مفروضاً من قوى طاغية عابثة ، وانما هو سعي في سبيل اصلاح حال الأمة ، يختاره البطل ، ويرتضيه ، بوصفه واجباً ، وفعل طاعة لله سبحانه وتعالى ، وينفذه مضحياً ... ، في مسار تتمثل فيه قيم الفروسية الاسلامية العربية ، فمسلم بن عقيل ، لم يغدر ، ويقتل والي الكوفة عبيد الله بن زياد ، عندما أتيح له ذلك ، والامام الحسين ( عليه السلام ) تعامل مع جيش عدوِّه بمنتهى النبل . اذ سقى جيش الحر بن يزيد الرياحي الظمئ ،والذي كان يطارده ، وفي هذا الشأن يقول الشاعر :" جاد بالماء ، والمياه حياة / فأعاش الأراقم الأشرارا ... / اَية النبل أن تطيق عدواً / كيف تدعو من أغاثه مختارا !؟ ... " .
في كربلاء يواجه الحسين "الأراقم الأشرارا " ، ويرسم الشاعر صورة لهؤلاء ، ليس على مستوى تمثيل الشر فحسب ، وانما على مستوى الجسد أيضاً ، فيبدون مسوخاً ، وحوشاً ، في كل منهم عناصر من الثعالب والقرود والحرابي والأفاعي والسعالى والعقارب... ، مايشكل وحشاً يذكِّر بذلك الوحش الذي تحكي الأساطير أنه فتك باله الخير .. ، وهو اضافة الى ذلك ، " ... ،منتن الريح ، لو تنفس في الأسح / ار ، عاد الصباح للظلمات ... " . هذا المسخ الذي يعيد تنفسه الصباحات الى الظلمات يحرِّم ماء الفرات على الحسين وأهله وأنصاره...
تجري المعركة ، يغلب فيها ، في الظاهر ، الشر ، لكن الغالب الحقيقي هو المنشد : " ... ، ان صدراً يستهدف الحق صرفاً / ليس يخشى طعن القنا والظبات " . وتتمثل البطولة في القتال قتال الأبطال ، وفي أداء الواجب / القدر المتمثل بطاعة الله ، سبحانه وتعالى ، بوصفه عبادة ، وفي خطِّ نهجٍ خالدٍ تظلُّ رايته مرفوعة على مدى الأزمان :" ... ، ومضى للهلاك وغد زيادٍ / ولواء الحسين ظلَّ عليَّا " ، وبقي دمه ، كما يختم الشاعر قصيدته ، يلهم الشعراء : "... ، دمك السمح ، ياحسين ، ضياء ، / في الدياجير يلهم الشعراء/ أي فضل الشاعر !؟ منك / اللاَلئ ، يصوغ منها رثاء ... " .
* الدكتور عبد المجيد زراقط. أكاديمي. ناقد أدبي. قاص وروائي
جريدة الأيام الإلكترونية. الصفحة الثقافية
- علامات:
- إقليمي ودولي
