28.5c درجة الحرارة في بيروت
أهم الأخبار:
image

د. عبد المجيد زراقط.. "خذوا أسرارهم"، قصة تلتقط لحظة مهمة من لحظات الفساد الثقافي / جريدة الأيام الإلكترونية

د. عبد المجيد زراقط.. "خذوا أسرارهم"، قصة تلتقط لحظة مهمة من لحظات الفساد الثقافي / جريدة الأيام الإلكترونية اعتادت " شلَّة الكتَّاب الرَّهيبة " ، كما يُسمُّونها ، في عالم النَّميمة ، السَّهر، كلَّ ليلةٍ ، في مقهى الأسرار ، المشهور بأنَّه مقهى المثقَّفين .
يقع هذا المقهى في شارع المدينة السِّياحيَّة المزدهرة الرَّئيسي . للشلَّة مجلسها المعروف في داخل المقهى ، وهو مجلسٌ يقع في الزَّاوية الأماميَّة من زوايا المقهى ، المطلَّة على الخارج ، ولا يفصلها عن المقاعد الموزَّعة على الرصيف سوى الزُّجاج الشفَّاف الذي يتراقص في أعلاه اسم المقهى : أ...ل...أسرا...ا...ا...ا...ر بالأضواء الملوَّنة .
يجلس أفراد الشلَّة حول طاولة مستطيلة ، وينحنون ، فتلامس لحاهم الطويلة زجاج الطاولة ، وتتقارب رؤوسهم ، ويحكون ، بأصوات خفيفة ، فلا يسمع حَكْيهم ، سواهم ، أمَّا ضحكاتهم المجلجلة التي ترتفع ، في كثير من الأحيان ، فيسمعها الجميع . وعندما يرفعون رؤوسهم يتلفَّتون في كلِّ ناح ، ويعيدونها ، ويحكون عمَّن رأوهم جالسين قربهم أو بعيداً عنهم... في هذه الليلة، وفي أوَّل السهرة ، لم يكن عقد أفراد الشلَّة قد أكتمل بعد
. " و" تأخَّر في المجيء على غير عادته . عجب الجميع للأمر ، وتساءل " أ " : لمَ يتأخَّر ، والليلةُ ليلته... ليلة احتفالنا بنيله الجائزة !؟ ضحك " ب "، وقال : هذه عادة كبار القوم ، يظنُّ أنَّه صار من كبارنا ، بعد أن نال الجائزة ، فصار يحقُّ له أن يتأخَّر ، وأن ننتظره ...
وقطع " ب " حديثه فجأة ، وأشار الى الخارج ، وقال : انظروا من أتى ... " المخدوع " ...نظروا ، فرأوا الكاتب الذي يسمُّونه " المخدوع " يقف وراء الزُّجاج ، ويجلس على كرسيٍّ ، ويضع رجلاً على رجل . قال " أ " : لم نره من قبل يجلس في هذا المقهى ! قال " ب " : الجائزة أتت به . سأل الجميع : وما شأنه بها ؟ أجاب " ب " : علمت أنَّه هو من كتب القصة التي نالت الجائزة ... قال " و " له ، بعدما أُعلن عن التقدُّم للجائزة ، وبعدما قرأ تلك القصة التي عرضها " المخدوع " عليه : تقرَّر أن تكون الجائزة لي . أعطني هذه القصة ، وأرضيك . سأله : ولم لا أقدِّمها أنا و... ؟ قاطعه : قلت لك ما تقرَّر، وأنا أريد قصة جيِّدة ، وسوف أرضيك ، ويبدو أنَّ " و " لم يُرض " المخدوع " ، كما وعده ، فجاء ليطالبه بحصَّته ...
لم يكمل " ب " كلامه . كان " و" يقف خلفه ، ويمسك ياقة قميصه ، ويشدُّه بها ، ويقول : أنسيت لمَ سُمِّي المخدوع مخدوعاً !؟ ألست أنت من استولى على مجموعته القصصية ، عندما أعطاك ايَّاها لتنشرها ، في الصفحة الثقافية التي تترأَّس تحريرها ، ثم ادَّعيت ضياع القصص ، وها أنت تستثمرها في ما تنشر من قصص وروايات !؟
قال " ب " : القصة قديمة ، وقد عرفت كيف أرضيه... أمَّا أنت فنصَبت عليه ، كعادتك ، مع من تتعامل معهم . فقال " و " : أنت دائماً كذَّاب . لقد أعطيته حصَّته ، كما وعدته .
قال " د " : معلِّم . أنت المعلِّم ، وليس ذلك القصير الأصلع الذي يلتفُّ حوله مريدوه .
نظر الجميع الى " المعلِّم " ، فرأوه يتحدَّث بحماسةٍ ، ويحرِّك رأسه ويديه...
جلس " و" ، وهو يضحك . وأشار الى الخارج ، وقال : المخدوع أمامنا ، هل أدعوه الى مجلسنا ليحكي حكايته ؟ قال " ج" : لا. الحكاية معروفة ، ومن أين ل" ب" هذه المعرفة العميقة بالقرية وشخصياتها !؟ وأنت ، قل لنا كيف أرضيته ؟ قال " د" : لا تخافوا على " و" هو سيِّد من يشتري ويبيع ... وعلا الضحك .
شاركهم " المعلِّم" الضحك ، ورفع يده يحيِّي " و " ، وراح يقهقه بصوت عال : فقال " د" : هذا الذي يسمِّيه مريدوه " المعلِّم " يقهقه كأنَّه يعرف ما نعرف !؟ فقال " ج" : وكأنَّه لايعرف ما نعرفه عنه !؟ قال "هاء " : ومن لايعرف أنَّ مايكتبه ويسمِّيه شعراً ليس له !؟ انَّه يقرأ شعر كبار الشعراء الفرنسيين والانكليز وشعراء عالميِّين اَخرين ، ويترجم أفكارهم وصُورهم الشعريَّة ، ويكتبها نثراً يسمِّيه شعراً ، وينظِّر في كلام عام غامض ... فقال " و " ل " د" : ما دمنا في سيرة الترجمة أخبرنا كم دفعت لتُترجم قصصك ... للمترجم ولدار النشر ، ثم للكتَّاب الذين كتبوا عن الروائع العربية المترجمة للغات العالمية !؟
علا الضحك من جديد . ارتفعت يدان في الزاوية المقابلة ، وصفَّقتا . قال " د " ، بعد أن هدأت عاصفة الضحك : فرح صاحبنا، وصفَّق كأنَّه لايعرف أنَّنا نعرف أنَّ دار النشر الفرنسية التي ترجمت روايته ، ونشرتها ، لم تكتف بأخذ المبلغ اللازم أجرة الترجمة وتكاليف النشر ، وانما غيَّرت في روايته ما غيَّر الدلالة، فصارت روايته "مخصيَّة " ، كما كتب ناقد ليس من شُلَلِنا ، وعندما كتب ذلك ونشره ، قامت قيامة صاحبنا ، وسلَّط عليه " "شبِّيحته " ، يهجونه مرَّ الهجاء كلَّما أصدر كتاباً . و فجأةً ، قطع " المحظوظ " الحديث . كان قد دخل ووقف قربهم ، وقال :
- هو قامت قيامته ، وأنا قامت قيامتي ...
علقت نظراتهم عليه ، وقالوا :
السياسيُّ اللامع .. المتعهِّد البارع.. النَّجم الساطع.. ولحبِّ أبناء طبقته التي يُسمُّونها فاسدة جامع...
أشار لهم أن اسكتوا . سكتوا ، فقال : بهذا الكلام... أنتم شاطرون ... أدفع لكم ، وأنتم لا تكتبون لي ، ولا تكتبون عنِّي !؟ قالوا : كتَّاب السياسة والاقتصاد يكتبون عنكم ... نحن نكتب عن الكتَّاب .
قال : أحبُّ أن أصبح كاتباً ...
قال " د " : ماذا تحبُّ أن تصير ، شاعراً ، روائياً ، قاصَّاً...؟ تنزيلات في نهاية الموسم...
قال : لاتكمل . أحبُّ أن أكتب القصص والروايات .
قال " أ" : وتجمع مجد الفساد من أطرافه ؟
قال : ولم لا !؟
قالوا ، وهم يشيرون بأيديهم الى الخارج : ليس لك الاَّ ذلك الشاب الأسمر ذو الشعر المنفوش ...
قال : هل يقبل ؟ و ان قبل هل أصبح من شلَّتكم الرَّهيبة ؟
قالوا : وهل يعصى عليك ماسهُل علينا !؟
وأضافوا : تصبح منها ان موَّلتها .
خرج ، وهو يتفقَّد أضراسه العامرة بلسانه ، ويقول من بين شفتيه المنفرجتين : المجد... من أطرافه ، ولم لا...!؟ وكاد يصرخ : ولم لا... !؟ غير أنه أطبق شفتيه ، وهرول ، ليلحق ب " المخدوع " الذي نهض عن كرسيِّه ، ومشى ...
الدكتور عبد المجيد زراقط - قاص وروائي وناقد . أستاذ الدراسات العليا في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية
المصدر :الدكتور عبد المجيد زراقط
جريدة الأيام الإلكترونية. ثقافة